(أنهَـر) زوج النبي يحيى بن زكريا عـند الصابئة المندائيين

فئة :  مقالات

(أنهَـر) زوج النبي يحيى بن زكريا عـند الصابئة المندائيين

(أنهَـر) زوج النبي يحيى بن زكريا عـند الصابئة المندائيين

تحض ديانة الصابئة المندائيين على الزواج وتكرمه وتعده أساس تشكيل الأسرة وزيادة الذرية. ومبدأ هذا الزواج والاقتران ليس على الأرض وحسب، بل يرد أنه حصل في عالم الأنور أولا باقتران ملائكة ذكور مع كائنات نورانية أنثوية. وفي هذا يشار إلى اقتران "شيشلام ربا" بـ "زلات ربتي"، حتى إن طقوس الزواج المعتمدة عندهم هي مماثلة لما أقيم فيما يسمى "قابين شيشلام ربا". ومع ورود كلمة قابين في اللغة الفارسية بمعنى الزواج، إلاّ أن فعل (قبا)[1] الآرامي المندائي يشير إلى الجمع والضم والاحتواء، ونرى أن كلمة (قابين) تقوم على هذا المعنى أيضا.

ولولا العبرة في أن يكون هنالك اقتران بين الذكر والأنثى، لما خلق شخصان وكيانان أصلا وفي كل الأحياء تقريبا، ولا شك رأسها الإنسان وتمايزت طبيعتهما البدنية في ما يتطلبه هذا الاقتران. فمنذ أول الخلق بآدم (ع) خلقت حواء لتكون زوجا له. ويرد تمثيل الزواج في النصوص المندائية أن (مثل المراة والرجل في الدنيا كمثل السماء والأرض؛ فالسماء بفحولة مائها والأرض بأنوثة خصبها، وبهما سوية يكون الزرع والنماء لتعمر شجرة الحياة وتنتشر).

ونقرأ في جملة الوصايا التي تحث على الزواج في كتاب الصابئة المندائيين "كنزا ربّا":

اتّخذوا لأنفسـكم أزواجا، وتناسلوا منكم ليزداد عددكم.

إذا اتّخذتم لأنفسكم أزواجا، فاختاروا من بينكم وأحبّوهنّ، وليحفظ أحدكم الآخر.

ومن النصوص المعبرة التي تقدم تصويرا جميلا عن قيمة الزواج من خلال الواقع والتأسي بالطبيعة ومماثلتها يرد:

أيّها العزّاب، أيّتها العذارى.. أيّها الرّجال العازفون عن النّساء.. أيّتها النّساء العازفات عن الرّجال..

هل وقفتم على ساحل اليّم يوما؟ هل نظرتم إلى السّمك كيف يسبح أزواجا؟

هل صعدتم إلى ضفّة الفرات العظيم؟

هل تأملتم الأشجار واقفة تشرب الماء على ضفافه وتثمر؟

فمالكم لا تثمرون؟

أفلا نظرتم إلى الأنهار اليابسة كيف تذبل الأشجار على شطآنها وتموت؟

كذلك العذارى اللائي لا يذكرن اسم الحيّ، نفوسهنّ تموت.

الرّجال الـزّاهدون في النّساء، والنّساء الـزّاهدات في الرّجال، كذلك يموتون، ومصيرهم الظّلام حين من أجـسادهم يخرجون.

أيّها الأصفياء الذّين اصطفيتهم:

أقيموا أعـراسًا لأبنائكم، وأقيموا أعراسًا لبناتكم، وآمنوا بربكم، إنّ العالم إلى زوال،

ولا تكونوا كالذّين يكرهون الحياة فيعزفون عـن الإنجاب فيها.

أثمروا إن أردتم أن تصعدوا حيث النّور.

ومثلما خلقت حواء لتكون زوجا لآدم، واقترن سام بن نوح بزوجه نوريثا.. يرد في النصوص المندائية أن العالم تعرض لحد الآن إلى فناءات ثلاثة؛ وبعد كل فناء يبقى من البشرية زوجان رجل وامرأة[2] لتعود وتتكاثر وتنمو من جديد. والمعتقد المندائي لا يتفق مع ما يشاع بأن النبي يحيى بن زكريا "يهيا يوهانا" ظل أعزبا؛ لأنه بذلك يخالف الشريعة المندائية، ولن يكون قدوة ولا معلما لأتباعه في جانب أساسي هو عماد التكاثر وقيمة الحياة وبهجتها، طالما أن الطبيعة البشرية تقوم على الذكورة والأنوثة، وطالما أن ذلك سمة الطبيعة عامة فيما غرز من الشهوات للانجذاب بين الجنسين حتى يكون التكاثر والإثمار.

نعم، يرد في المعتقد المندائي أن النبي يحيى (ع) أخذه انشغاله بما كلف به من تعليم ديني وإجراء الطقوس وخاصة تعميد (صباغة) الناس، حتى إنه نسي أمر الزواج، بل إنه خاف أن يلهيه الزواج عن تأدية فروضه الدينية، وفي هذا عبرة في الصراع بين شهوات البدن من جهة، والالتزام بالطهارة وتأدية الفروض من جهة أخرى. لكن الأمر يأتي من الأعالي ليذكّر يحيى (ع) بما عليه، ويلزمه بأن يقدم على الزواج، ويشرح له كيفية التوفيق بين الزواج والأسرة من جهة، وتأدية الفروض الدينية من جهة أخرى.

"وجاء ليحيى الصوت: يا يحيى اتخذ لك زوجا، ولتقر نفسا".

ويتزوج يحيى، فيقول:

"سعيد من يتزوج، ومهيب من ينجب أبناء".[3]

ولننظر في الكيفية التي نبه بها يحيى (ع) على ضرورة الزواج، وفي هذا سنعتمد على ما جاء في التعليم (31) من كتاب تعاليم يحيى "دراشا اد يهيا"، وهو مخطوطة مندائية أساسية في التعليم وتوضيح جوانب في عقيدة الصابئة المندائيين.

(يا يحيى إنّك تشبه جبلا محروقا لا ينبت في أرضه زهر، أو نهرًا جفّ ماؤه فلا يشتل على ضفتيه شتل، وتشبه بيتا خربا يخاف من ينظر إليه ويجفل. إعلم يا يحيى أنّ الأرض بلا ديّان كالبيت بلا كيان.

ها أنت نبي لكنك لم تزرع ولداً يحفظ اسمك من بعدك. فمن يا يحيى سيُعدّك ومن سيُجهّزك؟ وإلى المقبرة من سيسير خلفك؟

ما إن سمع يحيى هذا النداء حتى اغرورقت عيناه بالدّموع، بالدّموع امتلأت عيناه، وقال:

سعيد من يتزوّج، ومهيبٌ من ينجب أبناءً. لكني إن تزوّجت وتودّدتْ لي عند النّوم، ألا تتأثر صلواتي اللّيليّة؟ ماذا لو أنستني شهوتي ربّي؟ وماذا لو ألهتني رغبتي عن أوانات طقوسي؟

حين قال يحيى هذا، أتته رسالة من الأعالي فيها توصياتٍ وفيها أوامر:

يا يحيى اتّخذ لك زوجًا، وأنشِئ أسرةً، واحذر فواحش الأرض.)

وتذكرُ النصوص أنه تم اختيار زوجة صالحة ليحيى (ع) من مدينة الطيبين اسمها "أنهَر". ولم يرد ذكر لأسرتها أو نسبها، بل تم الاكتفاء بأنهم جلبوها له من "ماثا اد كُشطاني"[4]. كما لم يتم التفصيل بخصوصها وكأن الأمر يتعلق بأن تكون هنالك زوجة كريمة ليحيى (ع) وحسب، تحبه وترعى بيته، وتنجب له الأبناء وتحفظ له أسرته، والمهم أنها صالحة ومن بيت الصالحين. يتضح ذلك حتى من اسمها الذي يقوم على الفعل (نهر) في اللغة المندائية؛ بمعنى "يشرق، يضيء، ينير"، فتكون "أنهَر" المشرقة، المضيئة، والصالحة. والإشارة الأخرى لذكر اسمها وردت في كتاب الألف واثنا عشر سؤال، فحين يذكر رؤساء كل جيل من الأجيال التي شكلت البشرية كما في الهامش 2، ومثلما يماثل سام بن نوح وزوجه نوريثا بالهواء والنار، فإن يحيى بن زكريا وزوجه أنهر يماثلان بالتاج والإكليل[5]. ومعلوم أن التاج، بحسب المعتقد الصابئي المندائي، يشير إلى الذكورة في حين أن الإكليل يشير إلى عنصر الأنوثة.

وتنجب أنهر من يحيى (ع) ثلاثة بطون كل بطن توأمان ذكرا وأنثى. وتُذكر أسماء المواليد، ففي الحمل الأول هندان وشارت، وفي الحمل الثاني بهرام ورهيمات هيي، وفي الحمل الثالث نصاب سام وأنهَر زيوا.

ويحب يحيى (ع) زوجه "أنهر" وتحبه بالمقابل حبًّا جما، كيف لا والتوصية بالمحبة أساس الزواج كما مر بنا ذكره في النصوص. وتظهر تلك المحبة في حواراتهما حين يسأل يحيى (ع) زوجه عما ستفعله إن هو غادر هذه الدنيا. وحين تجيبه "أنهَر" بأنها ستحرم نفسها من الطعام والشراب، وأنها لن تستحم ولن تمشط شعرها، وأنها لن تلبس ثيابا جديدة حتى تلتقيه، نجده لا يوافقها، ويطلب منها أن لا تفعل؛ لأن في ذلك عذاب للنفس لا فائدة فيه ولا خير يرجى منه. وبدلا من ذلك، يوصيها أن تهب الخبز إكراما لذكراه، وأن تقرأ له صلوات وأدعية الارتقاء إلى عالم النور.

إن يحيى بن زكريا (ع)، كما يرد في نصوص الصابئة المندائيين، هو معلم ومصلح وروحاني كبير. ولم يرد أنه كان ثائراً أو متحديا لسلطات الملوك بما يوصله إلى الإعدام. لقد عاش وعلمّ وعمّد الناس بمن فيهم عيسى بن مريم (ع) وتزوج وأنجب ثم توفى، وهو في الرابعة والستين من العمر بشكل يليق بوفاة الأنبياء أمثاله، حيث قدم إليه الملاك العظيم "مندا اد هيي" وتجلى له في هيأة طفل يطلب التعميد منه[6]، وحين يتعرف على الملاك يطلب منه أن يرافقه ليصعد معه ارتقاء إلى عالم النور، وهو ما كان له تقديرا لمكانته السامية. هكذا، نرى أن ولادته كانت إعجازًا ربّانيا، وكان زواجه بأمر رباني، وإرتقاء نفسه بعد موته كان كذلك حسب عقيدة الصابئة المندائيين.

 

مراجع:

1-      كنزا ربا، كتاب الصابئة المندائيين المبارك، دار درابشا، ألمانيا 2011

2-      كتاب تعاليم يحيى "دراشا اد يهيا" مخطوطة باللغة المندائية.

3-      ديوان ألف وإثنا عشر سؤالا، مخطوطة مندائية

4-      قيس مغشغش السعدي، قاموس نهورا مندائي عربي وبالعكس. دار درابشا، ألمانيا 2012

[1] قيس مغشغش السعدي، قاموس نهورا مندائي عربي وعربي مندائي. دار درابشا، ألمانيا 2012

[2] الفناء الأول كان بالسيف والطاعون وبقيا رام الرجل ورود المرأة لتشكيل الذرية، ثم الفناء الثاني، وكان بالنار وبقي شورباي الرجل وشرهبيل المرأة ومنهما عمرت البشرية، ثم الفناء الثالث للبشرية بالطوفان وبقي منه سام بن نوج وزوجه نوريثا ومنهما صارت البشرية، وهناك فناء رابع يأتي ويذكر أنه سيكون عن طريق الهواء. (كنزا ربا، كتاب الصابئة المندائيين)

[3] كتاب تعاليم يحيى "دراشا اد يهيا" مخطوطة مندائية.

[4] كلمة ماثا تعني مينة أو ربما ديار، أما الكشطيون فهي من كلمة كشطا التي تقابل القسط والتي تشير إلى الحق والعدل والطيبة. (قاموس نهورا) مصدر سابق.

[5] الإكليل ويسمى "كليلا" عبارة عن غصن من الآس الأخصر يشق من أسفله ثم يطوى ليكون حلقة توضع كالخاتم في خنصر المتعمد (المصطبغ) الأيمن، ثم يرفع ليوضع على جبين المصطبغ الأيمن تحت عمامته أثناء طقس التعميد (الصباغة). وهو مؤشر الجمال والإزدهار والعطر الزكي.

[6] يرد ذلك تفصيلا في كتاب الصابئة المندائيين "كنزا ربّا" إضافة إلى فصل عن حكمته وتعاليمه، كما ترد ولادته في كتاب "دراشا اد يهيا".

وهذا يجانب ما يشار في القصة التأريخية من مقتل يحيى (ع) على يد الملك هيرودس في أورشليم.