أسباب الانقسام السُني الشيعي من وجهة نظر التحليل النفسي


فئة :  مقالات

أسباب الانقسام السُني الشيعي من وجهة نظر التحليل النفسي

أسباب الانقسام السُني الشيعي من وجهة نظر التحليل النفسي

إذا سألنا أحدهم وكان لديه قسط من المعرفة والمعلومات التي لا بأس بها حول أسباب الانقسام التاريخي بين الجماعة السُنية والجماعة الشيعية باختلاف مذاهبها وفرقها المتنوعة، سيُرجعها إلى حادثة السقيفة؛ أي سقيفة بني ساعدة التي اجتمع فيها الأنصار عام 632م لمبايعة أميراً للمسلمين بعد وفاة النبي الكريم مباشرةً، واختاروا سعد بن عبادة وبعد وصول الصحابيين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبعد مشاورات مكثفة انتهوا إلى بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

لا توفر لنا الروايات التاريخية حصرًا أسماء جميع الحضور في اجتماع السقيفة، وإن كانت قد حفظت لنا أسماء عدد من قادة الأنصار الموجودين في ذلك الاجتماع المهم؛ ومنهم سعد بن عبادة الخزرجي وبشير بن سعد والحباب بن المنذر. ويبدو أن قادة الأنصار قصدوا أن يتموا أمر السقيفة في معزل عن إخوانهم من المهاجرين، الذين كانوا في ذلك الوقت مشغولين بتجهيز جثمان الرسول؛ إذ تؤكد الروايات التاريخية أن المهاجرين لم يعرفوا بأمر اجتماع الأنصار في السقيفة إلا عن طريق المصادفة، عندما أخبر أحد المسلمين عمر بن الخطاب بالأمر، فأرسل في طلب أبي بكر وانطلقا، ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، إلى السقيفة مسرعين، حيث ورد في صحيح البخاري، رواية طويلة يشرح فيها عمر بن الخطاب تفاصيل ما جرى بين المهاجرين والأنصار. فقد جاء على لسان عمر أنه لما وصل مع أبي بكر إلى السقيفة، وجد الأنصار اجتمعوا حول رجل مريض هو سعد بن عبادة، وبدأوا في استعراض مناقبهم وفضائلهم، فلما أراد عمر أن يرد عليهم، أسكته أبو بكر، ثم قال: «ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش. هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين (يقصد عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح)، فبايعوا أيهما شئتم».

بعدما انتهى أبو بكر من كلامه كثر اللغط وعلت الأصوات، وطالب بعضهم بانتخاب أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار. فلما خاف عمر الخلاف، قال: «قلت لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار».

و على الرغم من الخلافات التي تعتري التفاصيل الدقيقة لما جرى من أحداث في سقيفة بني ساعدة، إلا أننا نستطيع أن نلمس اتفاقًا كبيرًا على الخطوط العريضة لتلك الأحداث، في كثير من الروايات السنية والشيعية.

ومن الروايات التي ذكرت إقبال الناس على بيعة أبي بكر، ما ذكره ابن كثير في «البداية والنهاية»، عن أن الناس بايعت أبا بكر البيعة العامة بعد السقيفة مباشرةً، وما أورده الجوهري في كتابه «السقيفة وفدك»؛ إذ قال: «وكثر الناس على أبي بكر، فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم (أي يوم السقيفة)».

إضافةً إلى كل تلك الروايات، فإن هناك إشارتين مهمتين قد وردتا في «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد المعتزلي، عن علي بن أبي طالب نفسه، يؤكد فيهما أن بيعة أبي بكر تمت عن شورى وقبول المسلمين.

في الإشارة الأولى يقول في معرض شرحه لرأيه في أحداث السقيفة: «فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه...».

كلمتا «انثيال» و«إجفال» تشيران بوضوح إلى إقبال الناس على بيعة أبي بكر مختارين غير مجبرين. أما الإشارة الثانية، فكانت في إحدى رسائله إلى والي الشام معاوية بن أبي سفيان؛ إذ يُبين له الطريقة المُثلى في اختيار الخليفة، فيقول: «بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان...وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضا..»

على الجانب الآخر، هناك عدد من الروايات التي اعتقدت بأن بيعة أبي بكر كانت حدثًا طارئًا مفاجئًا لم يُعَد لها بالشكل المناسب؛ إذ رُوي عن أبي بكر نفسه أنه قال إن «بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها»، بحسب ما ذكر الجوهري في كتابه. كذلك رُوي عن عمر بن الخطاب في صحيح البخاري، رأي مشابه، عندما قال: «فلا يغترنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت».

أما إذا انتقلنا إلى الروايات الشيعية، وجدنا أن العلامة المجلسي في «بحار الأنوار»، يصرح أن بيعة أبي بكر في السقيفة تمت «من دون تشاور مع الصحابة، ومن دون حضور العِترة الطاهرة من بني هاشم».

وهناك عدد من المصادر الشيعية يؤكد أن زعماء المهاجرين استخدموا القوة لأخذ بيعة أبي بكر؛ فقد ورد أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة أقبلوا في أهل السقيفة «وهم محتجزون بالأزر الصنعانية، لا يمر بهم أحد إلا خبطوه، فإذا عرفوه مدوا يده على يد أبي بكر شاء ذلك أم أبى»؛ وذلك حسبما ورد في كتاب سليم بن قيس الهلالي على سبيل المثال.

يُفصِّل الشيخ المفيد، في كتابه «الجمل»،

تلك الحادثة ويشرحها أن هناك مجموعة كبيرة من الأعراب دخلت المدينة المنورة في الوقت الذي مرض فيه الرسول، ليشتروا حاجاتهم، فشُغل الناس عنهم لوفاة الرسول، فاستدعاهم عمر بن الخطاب واتفق معهم على إجبار الناس على أخذ البيعة لأبي بكر، فأخذ هؤلاء الخشب بأيديهم وضربوا من امتنع عن البيعة. لا يوجد أثر صريح لتلك الرواية في المصادر السنية، وان كانت هناك إشارة مبهَمة من الممكن أن نربطها بالرواية السابقة، وهي ما أورده الطبري عن أبي مخنف في أحداث يوم السقيفة، عن أن «أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك، فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنصر».

لذا من الممكن وفقاً لدراسة دكتور محمد يسري أبو هدور بعنوان (سقيفة بني ساعدة: بداية الخلاف السياسي وتشكيل المذاهب الإسلامية)، أن نرى الطريقة التي اختير بها أبو بكر يوم السقيفة، تحمل كثيرًا من معايير الشورى والاختيار الحر، وتمت بشكل علني، وجرت فيها مجادلات ومناظرات بين الأطراف المتنازعة على الخلافة، وإن كان يعيبها أنها تمت في معزل عن بني هاشم الذين كانوا يمثلون ثقلًا سياسيًّا وروحيًّا كبيرًا في ذلك الوقت؛ ذلك أنه لم يحضر أي هاشمي في اجتماع السقيفة، ولم يجرِ التشاور أو التحاور معهم في ذلك الأمر.[1]

السبب الثاني والمتداول والاكثر رواجاً هو ((حديث الغدير))، حديث نبوي متواتر عند السُنة والشيعة، مروي عن الرسول الكريم في يوم 18 ذو الحجة سنة 10هجرية، وهو في طريق عودته بعد حجة الوداع في غدير يدعى خُم قرب الجحفة، حيث يستدل الشيعة بهذا الحديث بالإضافة إلى أحاديث أخرى على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بينما يعتقد أهل السنة والجماعة بأنه دلالة فقط على منزلة الصحابي الجليل علي بن أبي طالب العالية ولا يعني أحقيته بالخلافة.

ورد نص الحديث بعدة أوجه عند أهل السنة والجماعة، أصحها وأقواها سنداً وتصريحاً مثلاً: يقول وروى الترمذي عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه».

وأيضاً يقول عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خُمٍّ، أمر بدوحات فقُمِمْن، فقال: «كأني قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعِتْرتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض»، ثم قال: «إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن»، ثم أخذ بيد عليٍّ رضي الله عنه، فقال: «من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه».

وقد ورد نص حديث الغدير لدى الشيعة في كتاب {{الغدير في الكتاب والسُنة والأدب}} لــعبد الحسين الأميني تفصيلاً.[2]

يبدو الأمر حتى الآن مرجعه عدد من الروايات والحكايات المختلف عليها، وقد عاش عليها المسلمون في انقسامهم لقرون، حتى تكون المدارس النظامية التي أسسها نظام الملك ونصوصها المتوحشة تجاه الباطنيين جميعاً والإسماعيليين باختلاف فرقهم، ثم ظهور كتاب فضح الباطنية للغزالي ودوره في تكفير الباطنية التي تأثرت بالفلسفة الأفلوطينية المحدثة، الذي ويا لها من مفارقة كان باطنياً سُنياً أيضاً، وفي استطاعتنا اعتبار العالم المسلم الفريد ابن سينا وغيره كثيرين باطنيّ الهوى.

لنعد مجدداً لأصل هذا الانقسام من خلال التحليل النفسي قبل الخوض في أصل الفلسفة الباطنية ومَن عداها عداوة شرسة أو لم يفهمها، وكذلك أولئك الذين اشتبكوا معهم بشراسة وبعنف نظراً لما تعرضوا له من اضطهاد وإقصاء وتكفير وحروب، شملت لقرون كافة بقاع العالم الإسلامي والعربي.

قد نفرد دراسة أخرى مفصلة حول الفلسفة الباطنية وروادها من علماء كبار في العالم الإسلامي، خرج منهم الكثيرين عن المألوف.

لكننا نجد أن للتحليل النفسي وجهة نظر مغايرة ودقيقة وأعمق حول أسباب الانقسام السُني الشيعي في الإسلام؛ وذلك وفقاً لأحد أبرز المحللين النفسيين العرب الدكتور فتحي بن سلامة في دراسته المعنونة بــ (التحليل النفسي في الإسلام)..

طبقاً لما أسماه سيجموند فرويد بـقاعدة التكوين الليبيدي للجمع، ومفادها أن عدداً من الأفراد يحلون محل مثال الأنا شخصاً واحداً هو الهادي والرئيس والمُدبِر، حيث يمكن أن نضيف إليها قاعدة نظرية التحليل النفسي المتعلقة بانفتاح الذات على التماهيات الجماعية؛ أي الانتقال من الأنا المثالي إلى مثال الأنا.

ومن هذه النقطة بالذات، تبينت استحالة تكوين قابيل وهابيل لمجموعة، حيث إن ميلاد الجريمة يوضح لنا نوعية الإخفاق الذي تتأسس عليه كل مجموعة أخوية؛ فلا يمكن للمجموعة أن يكون لها إمكان وضرورة إلا لأن جسد الأم (الأمة) أصبح غائباً، ولأن هذا الغياب الأصلي للجسد لا يحل مع ذلك مشكلة النقص في أي مجموعة من المجموعات.

يمكننا العودة لكتاب مفهوم الأمة في القرآن لـسليم دكاش، هذا المفهوم كان موضوعاً لهرطقات نفسية، تستغل اشتقاق كلمة الأمة من الجذر الذي ولَد كلمة الأم، ما أدى إلى إنتاج كلام عن نقص الرمزي في الإسلام متسماً بالمركزية الإثنية ويكاد يكون عنصرياً.

لقد قام فتحي بن سلامة باستكشاف معجمي حول الجذر الذي تم منه اشتقاق كلمة ((شائعة))، وقد عثر على كوكبة من الكلمات ذات الدلالات، ربطها بقصة ملغزة لها ملامح أسطورية ومشهد يوضح الأهمية الأصلية التي يكتسبها السر، وتكتسبها إذاعته وانتشاره؛ أي الإشاعة إذ تكون محنة حميمية متصلة بأساس المجموعة، كما يتعلق الأمر بسر اللغز وما يصنعه بالناس، عندما يجمعهم حول وهجُه ويجعلهم منقسمين بخروجهم من أنفسهم وإقبالهم على المشترك.

هذه القصة رواها الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي الذي عاش في تركيا خلال القرن الثاني عشر: {{لقد باح النبي محمد لصهره عليّ بأسرار منعه من كشفها. فأجهد عليّ نفسه طيلة أربعين يوماً حتى يكتم هذه الأسرار. وعندما فقد صبره، خرج إلى الصحراء، وأدخل رأسه في فتحة بئر وأخذ يتكلم بالأسرار. فانحدرت قطرة من ريقه. وبعد فترة، نبتت قصبة في البئر وأخذت تنمو من يوم إلى آخر. وجاء راع فقطعها وثقبها وأخذ ينفخ فيها، وهو يرعى قطيعه. فاشتهرت ألحان مزماره، وأصبح الناس يأتونه أفواجاً ليصغوا إليه وقد أخذ بألبابهم، بل إن الإبل نفسها كانت تتحلق حوله. وتلاقفت خيره الأفواه إلى أن بلغ أمره النبيّ، فاستقدمه وطلب منه أن ينفخ في مزماره. وعندما بدأ يخرج ألحانه، بلغ بالحاضرين الطرب مبلغاً عظيماً، فقال النبي: (هذه الألحان شروح على الأسرار التي أسررت بها عليّ)..}}

للرومي أيضاً قصيدة شهيرة في مدح الإمام علي بن ابي طالب:

"قـــــال النـــــبي لــــه مقالا لم يكن …

يــوم (الغدير) لسامعيه مجمجا:

مـــــن كنت مــــولاه فذا مولى له…

مثـــــلي وأصبح بالفخــــار متوجا"

كما أن هناك حديثا شيعي المصدر يؤكد تلك القصة الأسطورية حول ذلك السر، ومتنه:

عن سلمة بن كهيل، عن عياض بن عياض، عن أبيه قال: "مرَّ عليُ بن أبي طالب بملأ فيهم سلمان فقال لهم سلمان قوموا فخذوا بحجزة هذا فوالله لا يخبركم بسر نبيكم أحد غيره."

أما ميثم التمار الذي صحب علي بن أبي طالب واستمر بولائه له من خلال نصرته للإمامين الحسن المظلوم والحسين الشهيد، فقد قال: [أخرجني أمير المؤمنين (عليه السلام) معه في بعض الليالي من الكوفة، فذهبنا إلى مسجد الجعفي، فاستقبل القبلة وصلّى أربع ركعات فلمّا سلّم وسبّح بسط يديه، وقال: «إلهي كيف أدعوك وقد عصيتك وكيف لا أدعوك وقد عرفتك وحبّك في قلبي مكين، مددت إليك يدا بالذنوب مملوّة وعينا بالرجاء ممدودة، إلهي أنت مالك العطايا وأنا أسير الخطايا ... إلخ»، ثم سجد (عليه السلام) ووضع جبهته على التراب وقال مائة مرّة «العفو، العفو ...»، ثم قام وخرج من المسجد، فلحقته حتى وصلنا إلى الصحراء فخطّ لي خطّا وأمرني أن لا أخرج منه، وكان ليلاً مظلماً جدّاً، فقلت في نفسي: تركت مولاك في هذه الصحراء القفرة مع كثرة أعدائه فما عذرك لدى اللّه ورسوله، فو اللّه لأذهب في أثره وأحرسه وإن كنت مخالفا لأمره. فخرجت أطلب مولاي فوجدته مُدخلاً رأسه ونصف بدنه الشريف في جوف بئر ويتكلّم معه ويحدّثه، فلما أحس بي قال:

مَن أنت؟ قلت: ميثم، قال: ألم آمرك ألا تتجاوز الخط؟ قلت: يا مولاي خشيت عليك من الأعداء فلم أملك نفسي فخرجت في أثرك.

قال: هل سمعت ما كنت أقوله؟ .. قلت: لا يا مولاي، فقال: يا ميثم وفي الصدر لبانات إذا ضاق لها صدري نكتّ الأرض بالكف وأبديت لها سرّي، فمهما تنبت الأرض فذاك النبت من بذري.]]..

لكن ما علاقة هذه القصة بالشائعة والحال أن تلك اللفظة لا ترد فيها؟!، لنعي أن الجذر العربي الذي اشتقت منه (الشائعة) هو فعل يعني أولاً وقبل كل شيء إذاعة خبر أو سِّر وانتشارهما.

ما يقودنا لقصة جلال الدين الرومي، فهناك كوكبة من مشتقات (شاع) مثل: (الشياع) وهو صوت قصبة ينفخ فيها الراعي لدعوة الإبل لتنساق وتجتمع.

لا يقتصر الأمر على إبراز العلاقة بين الشائعة والشياع أي صوت المزمار؛ فقد تبين بالفعل وجوه التطابق بين قصة الرومي والنص المعجمي؛ أي بين المشهد الأسطوري والاشتقاق وهي كثيرة جدّاً، إلى حد التساؤل عما إذا كانت القصة تُحيل الكلام إلى اللغة، وعما إذا كانت أمثولة المجموعة ملتقى يجتمع فيه السيميائي والدلالي فاتحين لإمكانية الانجذاب السحري الذي لا يقاوم.

هناك كوكبة أخرى من الكلمات مشتقة من (شاع) مثل: شايعت بها أي دعوت لها لتجتمع وتنساق.. (الشيعة) القوم الذين يجتمعون على الأمر وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة.. و(الشاعة) أي الإهابة بالإبل.

من خصائص الإشاعة أيضاً جذب الجموع، وجعلها تنساق والعمل من أجل تكوين حشد. وهناك أيضاً نوعاً من الرجال يمكن تسميتهم بـ (المشياعين) أولئك الذين لا يقدرون على كتمان السر ويبوحون بالأسرار ويذيعونها في كل مكان، وقد ينطبق هذا الوصف نسبياً على [عليّ]، صهر الرسول الكريم الذي ناء بحمل السِّر الذي استؤمن عليه، فاجتهد لكتمان الأسرار طيلة أربعين يوماً ولم يبح بها إلا إلى قعر بئر في الصحراء ظنّاً منه أنه بلا آذان.

بهذا المعنى، فإن هذا النوع من الرجال هم مشياعون نتيجة الإفراط لا التقصير؛ أي إنهم ليسوا عاجزين عن الحفظ، بل إن ما تلقونه يفيض عنهم، كالشطَح من فرط الوجد أو الطفح، فالإشاعة ربما تتضمن بُعداً وَجدياً..

وهكذا يبدو لنا مشهد القصة مصوراً نظاماً كاملاً للإشاعة، حيث الصوت ونداء التجمع، والرجال الطافحون الذين قد طفح بهم الكيل، وفي المقابل يمكن القول إن كل ما يصوره المشهد سبق أن سمته دوال اللغة. ويمكننا أن نقول على أي حال، إن ما يجمع الجمع حسب هذه النصوص هو من باب الوجد والشطَح.

إذن الشيعة يرون أن عليّاً رضي الله عنه وأرضاه صهر الرسول هو الجدير بأن يكون خليفة له، لا بسبب القرابة فحسب، بل لوجود أسرار بينهما، فهم يسندون إلى عليّ رتبة الإمام الأول الذي تتمثل مهمته في استخراج المعاني الباطنية للتنزيل الظاهر الذي قد تلقاه النبي محمد؛ فـالنبي الكريم تقبَّل التنزيل القرآني الذي تأسست حوله المجموعة الإسلامية. أما عليّ رضي الله عنه، فقد يكون تنزيلاً للتنزيل، وهذا هو موقعه في قصة جلال الدين الرومي، وميثم التمار. وليست صدفة كون لفظة التشيُع أو الشيعة مشتقاً من الفعل نفسه (شاع) وفي المعجم يمثلان محوراً لكوكبة من الكلمات الدالة على الاتباع واجتماع قوم على أمر، والفرق المختلفة. أي باختصار، إن (شاع) تتضمن معنى تحزبياً ناتجاً عن السِّر، وعن تناقله واقتسامه حول رجُل. إنه مشهد تولية وإضفاء شرعية انطلاقا من اقتسام المؤسس وخلفه سرّاً ما، مشهد تناقل يحمل في أعطافه انقسام المجموعة أو الفرقة Schism، لكنه يؤدي في الوقت نفسه إلى وجود هؤلاء البشر الذين قد جمعهم في حالة وَجدية لحن نابع من مزمار.

هكذا رجل مستأمن على سر ومشترك فيه مع آخر، وهذا الآخر يبوح به في ثغرة في الصحراء، ويأتي آخر فينتج عنه في غفلة منه شرحاً على السر، حيث إن هذا الشرح هو شائعة عن سر لغز قد صنعته لنفسها مجموعة وجدية من البشر.

ولأن البقية يبقون خارج هذه القسمة، فإنهم لا يحصلون إلا على اللحن أي الشرح، ومن ثم هذا ما يجمعهم.

وإذا اعتبرنا أن الحالة الوجدية Extase مردها الشرط الأساسي للوجود Existence الذي يتمثل في الإقامة خارج الذات، فإن الأسطورة تقول إن ما يجمع بين الموجودين هو لحن من لغز، يقول ابن منظور (تشيع في الشيء أي استهلك في هواه)؛ فالتشيع هنا يعني اتباع الرأي المفرط في قضية ما، حيث نتهالك على نشرها ونهلك في سبيلها.

إن سر تأسيس المجموعة لا يمكن أن يُحتفَظ به، بل لابد أن يُروى، يلفظ الوريث السر ويدفنه. وليس من المجدي دفنه والتخلص منه برميه في بئر في الصحراء؛ لأنه يعود من جديد على صورة آلة إشاعة، وهي هنا المزمار. الشائعة هي صوت العائد، حيث يجذب إليه الناس الذين يجتمعون مؤلفين مجموعة الموجودين الواجدين خارج ذواتهم. وبمعنى التحليل النفسي، فإن الشائعة هي صوت المكبوت الأصلي الذي تتأسس حوله المجموعة، فما غناه المزمار وما يتغنى به الناس ويسحرهم، هو الصوت المنتمي لمنطقة أصلية منها ظهر المؤسس الذي قد مات ومات سره معه، ومنها يأتي العائد. هذا العائد يوجد بين يدي الراعي؛ أي الخليفة والعاهل والزعيم، داعياً الناس لتكوين مجموعة، وهو يعزف على صوت العائد، فكما أن الشائعة تمثل هوى المجموعة، فهي في جوهرها قوة سياسية. إنها الصوت الذي يخاطب به المستفيدون من عائد السر، مَن لا يمكنهم الوصول إلى السر ولا العائد، ولكنهم يقيمون جميعاً في متعة الاستماع إليه.

ماذا يسمعون؟ المؤكد أنهم لا يسمعون محتوى السر؛ لأنهم محرومون منه، بل يسمعون اللحن والموسيقى، بلا مدلول إذن. فسِّر الآخر شأنه شأن العلاقة الجنسية غائب في الحب الذي ينتج المجموعة، وهو ما يعني إجمالاً أن ما تشترك فيه المجموعة كان دائماً وأبداً الـمستحيل، وهذا المستحيل لا يضمحل ولا يصبح قابلاً للتخييل إلا عندما يصبح الناس غير مكونين لمجموعة.

[1] -https://manshoor.com/society/saqifah-bani-saidah-shia-sunni/

 

[2] https://ar.m.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%AF%D9%8A%D8%B1-