أطروحة «ما بعد العلمانيّة»
فئة : ترجمات
أطروحة «ما بعد العلمانيّة»
تُستعمل في الخطابات المعاصرة عبارات مثل «ما بعد الحداثة»، «ما بعد السياسة»، «ما بعد العلمانيّة». ولا شكّ في أنّ استعمال هذه العبارات يدلّ على حدود صلاحيّة المفاهيم والمقولات القديمة، التي تنتمي إلى الفكر الحديث، في مجال الإحاطة بظواهر اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة جديدة وتفسيرها. تُعدّ العلمانيّة عنواناً للحداثة[1]، فالمجتمعات الأوروبيّة الحديثة تُعرَّف بوصفها مجتمعات علمانيّة يحتلّ فيها الدين مجالاً محدوداً ضمن الفضاء الخاص، على الرغم من وجود دين أو مذاهب دينيّة رسميّة. وأمّا المجتمعات غير الأوروبيّة، فقد تأثرت، بأشكال متفاوتة، بالأفكار والتجارب العلمانيّة مع استمرار تأثير الدين فيها. وعلى الرغم من تقادم العهد على المفهوم ورسوخ الظاهرة العلمانيّة، طُرح السؤال المهمّ المتعلّق بالقيمة الإجرائيّة للمفهوم الدالّ على فكرة الفصل بين الدين والدولة والحياد العقائدي للسلطة السياسيّة: هل يُفسّرُ هذا المفهوم، بصورة دقيقة، طبيعة العلاقة بين الديني والسياسي؟
يرى بعض علماء الاجتماع المعاصرين أنّ مفهوم العلمنة لم يعد صالحاً لتفسير وفهم مكانة الدين في المجتمعات الأوروبيّة على خلاف ما كان عليه الحال في النصف الأوّل من القرن العشرين. ترى عالمة الاجتماع غريس دافي (Davie G.)، مثلاً، أنّ أوروبّا المعلمنة، من وجهة النظر الدينيّة، لا تمثل نموذجاً لمصير الديني في المجتمعات المعاصرة، بل إنّها تمثل استثناء أوروبيّاً على الصعيد العالمي[2]، وتفسير ظاهرة العلمنة الذي تمّ طرحه كان تفسيراً أوروبيّاً[3]. لم يعد اليوم بالإمكان القبول بفكرة التماهي بين الحداثة والعلمنة، فهناك تعريفات مختلفة للعلمنة تحيل على تصوّرات وتجارب سياسيّة مختلفة تتحدّد فيها العلاقة بين الدين والدولة بحسب أشكال مختلفة. هناك صيغ مختلفة للعلمانيّة وصيغ مختلفة للحداثة، ولعلّ من الصواب الحديث عن «حداثات متعدّدة»[4]. إذا قبلنا بهذا الأمر فلا مفرّ من القبول بنسبيّة فكرة الفصل بين الديني والسياسي، وكذلك بنسبيّة فكرة حياد الدولة إزاء العقائد والمذاهب المختلفة.
من أهمّ خصائص الحداثة -كما تشدّد على ذلك نيلوفر غول (Göle N.) في دراستها عن العالم الإسلامي-خاصيّة الإصلاح الذاتي. «لم تُرفض الحداثة ولم تتمّ إعادة تبنّيها ببساطة، بل جرى تملّكها نقديّاً وإبداعيّاً في الخطاب الديني والممارسات الاجتماعيّة الجديدة في السياقات غير الغربيّة»[5]. تستنتج هذه الباحثة المتخصصة في علم الاجتماع من ذلك أنّ مواقف الأوروبيّين إزاء الأديان لا يمكن أن تكون نموذجاً للتصدير، «فهي شيء مميّز خاص بالركن الأوروبّي من العالم». من المشروع، إذن، الحديث عن «استثناء أوروبي»، استثناء يظهر بصورة خاصّة في العلمانيّة الأوروبيّة التي هي، في حدّ ذاتها، متنوّعة بحسب البلدان.
من المعروف أنّ هابرماس هو الذي أدخل مفهوم «المجتمع ما بعد العلماني» (post-secular society) في مجال النقاش الفلسفي العام. «المجتمع ما بعد العلماني» هو مجتمع علماني قد بلغ مرحلة جديدة لم تعُد فيها مقولات الحداثة الكلاسيكيّة صالحة تماماً لتفسير الظواهر الجديدة. يدلّ مفهوم «مجتمع ما بعد علماني»، عند هابرماس، على المجتمع التعدّدي القائم على تنوّع التصوّرات الإيتيقيّة المتعلّقة بالحياة الجيدة. وهو يُحيل، في نظره، على قراءة جديدة للعلمنة لا تخصّ جوهرها بقدر ما تتعلّق بتوقّعات الدور المستقبلي للدين[6]. المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات ما بعد علمانيّة؛ أي إنّها تتميّز بشكل جديد للوعي لا يرفض الدين ولا الأشكال الجديدة للتديّن، بل يقبل بها في إطار المجتمع الديمقراطي التعدّدي. إنّ وصف المجتمعات الحديثة بأنّها مجتمعات «ما بعد علمانيّة» يعني، في نظر هابرماس، «تغيّراً في الوعي» يرجعه إلى ثلاث ظواهر هي أسباب ذلك التغيّر[7]: الظاهرة الأولى تتمثل في إدراك الأوروبيّين لنسبيّة مقارَبَتهم العلمانيّة، وذلك بسبب تقديم الصراعات العالميّة في وسائل الإعلام كصراعات دينيّة. لم يعد الوعي الأوروبّي يقتنع بأنّ التحديث الثقافي والاجتماعي لا يكتمل إلّا باستبعاد الدلالة الشخصيّة والعموميّة للدين. الظاهرة الثانية تتمثل في التأثير الذي تمارسه المجموعات الدينيّة في الحياة السياسيّة للمجتمعات العلمانيّة، وخاصّة عندما يتعلّق الأمر بمشكلات ذات بُعد أخلاقي كالمسائل التي تثيرها البيوإيتيقا (Bioéthique) والتغيّر المناخي وتشريع الإجهاض أو الموت الرحيم. الظاهرة الثالثة تمثلت في حركة الهجرة الاقتصاديّة وتدفق اللّاجئين إلى أوروبّا قادمين من بلدان ذات ثقافات تقليديّة يمثّل الدين محورها.
تعني استقلاليّة السياسي تحرّره من هيمنة الديني ومن مركزيّة الدولة. لم تعد السلطة تختزل القرار السياسي وتحدّد الخيارات الكبرى الموجِّهة للمجتمع. صارت الحياة السياسيّة مجالاً للتداول الديمقراطي المؤدي إلى قرارات جماعيّة يُفترَض أن تكون مُلزمة للحكومات. لقد كانت العلمنة، بمعنى ما، حركة «دمقرطة» مستمرّة للحياة السياسيّة. ولكنّ الأمر الجديد هو أنّه صار بإمكان المواطنين المؤمنين ذوي المرجعيّات الدينيّة أن يعبّروا عن آرائهم وخياراتهم انطلاقاً من تلك المرجعيّات. لقد أصبحت الأديان في المجتمعات التعدّديّة جزءاً من الفضاء العام الديمقراطي. «يتميّز المجتمع ما بعد العلماني بمقتضى مزدوج، فهو يطالب الأديان بنوع من التحديث يمرّ بتوضيح ما تعده حقيقتها، وتبنّي نظرة نقد ذاتي لتاريخها، ذلك هو شرط مشاركتها في فضاء عام ديمقراطي»[8].
إنّ الاعتراف بحقّ الدين في الوجود والتأثير في الفضاء العمومي لا يعني أبداً التخلّي عن العلمانيّة نمطَ وجودٍ وشكلَ تنظيمٍ اجتماعي. ولكنّ الأمر يتعلّق بتعاضد العقل العلماني والإيمان الديني في مجتمع لا يمكنه أن يتخلّى عن علمانيته، كما لا يمكنه إنكار تأثير الدين. في مقابل الاعتراف بالدين يتوجّب على الدين أن يتخلّى عن المطالبة بالحقّ في السلطة، وعن «الحقّ في احتكار التأويل وتنظيم الحياة الشامل نظراً لشروط علمانيّة العلم وحياد سلطة الدولة والحريّة الدينيّة الشاملة»[9]. لقد أكد هابرماس «أنّ علمنة الدولة ليست هي ذاتها علمنة المجتمع»[10]. فإذا كانت «الجماعات الدينيّة تؤدي دوراً حيويّاً في المجتمع المدني وفي المجال العام، فإنّ السياسة التداوليّة تمثّل، بالقدر نفسه، نتاجاً للاستخدام الشعبي للعقل من قِبَل المواطنين المتديّنين ومن قِبل المواطنين غير المتديّنين»[11]. دفع هذا الوضع التاريخي ما بعد الحديث هابرماس إلى طرح المشكل الآتي: «كيف علينا تصوّر أنفسنا بصفتنا أعضاء في مجتمع ما بعد علماني، وماذا علينا أن ننتظر من بعضنا بعضاً للمحافظة، في دُوَلنا-الأمم المتلاحمة خلال التاريخ، على تعايش مدني بين مواطنين ضمن شروط التعدّديّة الثقافيّة والفلسفيّة؟»[12].
طوّر هابرماس، في بعض كتاباته الأخيرة، فكرة «جدليّة العلمنة»، وخاصّة في كتابه (بين الطبيعانيّة والدين: التحدّيات أمام الديمقراطيّة)[13]. يمكن استعمال تسميات مختلفة للتعبير عن جدليّة العلمنة تلك مثل «جدليّة العقل والإيمان»، أو «العلم والدين»، أو «العقلانيّة الأداتيّة والعقلانيّة المعياريّة». تُعدُّ جدليّة العلمنة، التي يدعو إليها هابرماس، تصحيحاً لمسار العلمنة غير المكتمل في الغرب، المسار الذي استبعد الدين من الفضاء العام بوصفه رؤية قديمة لا تصلُح ولا تتلاءم مع حركة تقدّم المجتمعات الحديثة. رأى هابرماس أنّ على كلّ مفكّر تقدّمي ينتمي إلى فكر الأنوار، مدافع عن العقل، ومنشغل بتنشيط الحياة الديمقراطيّة، ألّا يقلّل من شأن القناعات الدينيّة بحجّة أنّها تقليديّة أو غير عقلانيّة، وألّا يسعى إلى منعها من التداول والتأثير في الفضاء العام خشية الانحراف الأصولي. على العكس من ذلك، عليه أن يساعد على ترجمة «المحتوى النقدي» لتلك القناعات الدينيّة إلى لغة العقل، إلى لغة دنيويّة مفهومة من قبل الجميع[14].
بيّن هابرماس، خلال محاضرة ألقاها في الأكاديميّة الكاثوليكيّة في ميونيخ (28) كانون الثاني/يناير (2004)، برفقة جوزف راتسنغر (البابا بندكتوس XVI)، أهميّة الارتباط بين العقل والإيمان، بين المعرفة العلميّة والإيمان الديني. لم يدافع هابرماس، بشكل خاص، عن دور اجتماعي وظيفي للدين في مجتمع يواجه مشكلات الاندماج والعنف فحسب، بل أكّد أيضاً مكانة الدين في مجال المعرفة العقليّة: على العلوم الدنيويّة أن تعترِف بالمَكانة الإبستمولوجيّة للقناعات الدينيّة، «وهي مكانة ليست دائماً غير عقليّة. ليس للتصوّرات الطبيعية للعالم، التي استفادت من طرق العلم الافتراضي في التعامل مع معطياته (...)، أيّ أسبقيّة بالنسبة إلى تصوّرات العالم الأخرى أو الفهم الديني للعالم»[15]. يدعو هابرماس، إذن، إلى «تغيير الوعي»، وذلك عبر انفتاح العقل العلماني على «ما ينقصه»[16]، وما ينقصه هو المضمون المعياري الذي يوجد في الدين. ولكنّ الدين، الذي من شأنه أن يصلح الحداثة العقلانيّة، أو يساهم في توجيه ما بعد الحداثة، ليس دين «الآلهة المجهولة للميتافيزيقا ما بعد الهيغليّة»[17]، الدين الطبيعي أو الدين العلماني، بل هو الدين اليهودي والمسيحي أساساً مع الاعتراف بالدور المهمّ الذي يمكن أن يؤديه الدين الإسلامي[18]. ليس للعقل العلماني أن «يتعلّم» من الدين فحسب، بل إنّ الديمقراطيّة بإمكانها أن تستفيد من الموروث الديني. لقد أثارت هذه الأطروحة المتعلقة بالتوفيق بين العقل والإيمان نقاشاً مهماً بين الفلاسفة والمفكرين ورجال الدين لا يمكننا هنا أن نتتبع مساراته. لا شك في أن أطروحة «ما بعد العلمانيّة» تدعّمت بنشر تشارلز تايلور كتابه (عصر علماني)[19]. يُعدّ هذا الكتاب من أهمّ الكتب التي صدرت في نهاية القرن الماضي، وهو يتضمّن أطروحة توصّل إليها الكاتب من خلال دراسة مستفيضة لمسار الحداثة الغربيّة متعدّدة الاتجاهات على مدى خمسة قرون، تتمثل في دحض النظريّة الأرثوذكسيّة في العلمنة؛ أي العلمنة المتصوّرة فصلاً بين الدين والدولة. إذا كانت النظريّة الأرثوذكسيّة في العلمنة تعدّها نوعاً من الانشقاق وترجعها، تبعاً لبراين ولسن [20](Brayan Wilson)، وبيتر برجر [21](Peter Berger)، إلى عمليّة تمايز وعقلنة للنشاطات، فإنّ «تايلور يرى في هذا التحليل شكلاً من تحصيل الحاصل؛ إذ يبدو له (...) أنّه إذا ما فقد الدين أهمّيته، فلأنّه لم يعد في كلّ مكان، ولا بدّ إذن من تصحيح الاتجاه، وينبغي مقاربة العلمنة بوصفها عمليّة تعدّديّة يكمن أصلها الأوّل في ابتداع ونشر متخيّلات جديدة»[22].
يرى تايلور أنّ «الحداثة علمانيّة» لا بمعنى غياب الدين أو انتهاء وظيفته تماماً وإخراجه من الفضاء العام، «بل بمعنى أنّ الدين يحتلّ مكاناً مختلفاً متوافقاً مع الإحساس بأنّ الأفعال الاجتماعيّة كلها تحدث في زمن دنيوي»[23]. المجتمع ما بعد العلماني هو إذن مجتمع حديث، مجتمع لا توحّد أفراده هويّة دينيّة أو مذهبيّة، بل هويّة سياسيّة قوامها الشعور المشترك بالانتماء إلى الدولة التي تضمن حريّات وحقوق كلّ واحد. بطبيعة الحال ثمّة مكان للعنصر الديني في تحديد تلك الهويّة، فالمواطنون يعبّرون عن قناعاتهم وتصوّراتهم الدينيّة ليس في الفضاء الخاص فحسب، بل في الفضاء العام أيضاً، حيث يتمّ النقاش والتداول في الشؤون العامّة. المجتمع ما بعد العلماني هو مجتمع تعدّدي توجد فيه هويّات مختلفة.
إذا كانت أطروحة «ما بعد العلمانيّة» تدلّ على عودة الديني وعلى اعتراف الدولة المعاصرة بالاختلاف الديني والتنوّع المذهبي، فإنّ هذا الأمر من شأنه أن يثير الخشية من الانحراف الطائفي الموجّه بدوافع دينيّة ما يفضي إلى هيمنة جماعة ذات إيديولوجيا دينيّة على الدولة والمجتمع. لكيلا تتفسّخ الهويّة السياسيّة للمجتمع الديمقراطي، أو تُستوعَب في هويّة دينيّة، وجب تحصين الديمقراطيّة بواسطة الأدوات التشريعيّة والمؤسّساتيّة اللّازمة.
خاتمة:
مثلت العلمانيّة عنواناً أساسيًّا من عناوين الحداثة في أبعادها الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة. استُعمل المصطلح (laïcité) لأوّل مرّة في فرنسا عام (1871) (أوّلاً في ملحق لقاموس ليتري Littré، ثمّ في «قاموس بيداغوجيا التعليم الابتدائي» الذي وضعه فردناند بوسّون Ferdinand Bouisson عام 1888)؛ أي إنّه كان ثمرة لأعمال الفكر السياسي والتجارب السياسيّة، التي وقعت منذ الثورة الفرنسيّة. لقد كانت الثورات السياسيّة الحديثة تدشيناً لعصر جديد قطع مع ماضي الاستبداد المطلق، الاستبداد الديني (هيمنة الكنيسة) المدعوم من السلطة الملكيّة الدنيويّة والاستبداد السياسي المبرّر والمبارك من السلطات الكنسيّة باعتبارها وسيطاً إلهيّاً. لا شكّ في أنّ الخلفيّة التاريخيّة للثورات الأوروبيّة الحديثة من شأنها أن تساعد على فهم التحوّل الكبير أو «الخروج من الدين». يرى غوشيه أنّ «هذا التحوّل هو الثورة الحديثة، ثورة الخروج من الدين التي تشمل جميع الثورات المتعاقبة ضمن الحداثة، من ثورة الإصلاح الديني إلى الثورة الصناعيّة مروراً بالثورتين العلميّة والسياسيّة اللتين رسّختا نظمنا الليبراليّة والديمقراطيّة»[24].
ليس من اليسير تقديم تعريف جامع مانع للعلمانيّة؛ وذلك بسبب تنوّع مسارات العلمنة، وبسبب اختلاف مسارات التحديث التي عرفتها المجتمعات الأوروبيّة منذ القرن السادس عشر، وكذلك المجتمعات الأخرى التي اتّصلت بها من خلال التجربة الاستعماريّة. يميّز الباحثون بين تجارب عقلنة وتحديث مختلفة داخل التاريخ الأوروبّي نفسه: التنوير الفرنسي (Les Lumières) والتنوير الألماني (Aufkl?rung) والتنوير الإنجلوسكسوني (Enlightenment). اختلفت العلاقة بين الدولة والدين على مستوى التصوّر وعلى مستوى الواقع بحسب خصوصيّة مسار العلمنة في كلّ بلد. ولعلّ ذلك يسمح بالحديث عن أنواع مختلفة من العلمانيّة: العلمانيّة «المنفتحة»، التي تقوم على الدفاع عن حريّة الضمير وحريّة التديّن وحقّ جميع المواطنين في الوجود في الفضاء العام، والعلمانيّة «الصلبة»، التي تستند إلى تصوّر معيّن عن المصلحة العامّة على ضوئه يتحدّد حياد الدولة ومكانة الدين في الفضاء العام. وفي السياق نفسه يمكن الحديث عن وجود أكثر من صيغة للعلمانيّة: صيغة النظام الليبرالي التعدّدي وصيغة النظام الجمهوري.
ليست العلمانيّة نظاماً سياسيًّا يهدف إلى إلغاء الدين أو استبعاده من تدبير الناس لشؤونهم كما يزعم البعض من مناهضيها. تحتوي الصيغة الفرنسيّة للعلمانيّة على مبدأ الفصل بين السلطة السياسيّة (الدولة) والسلطة الدينيّة (الكنيسة)، وتطالب بحياد الدولة إزاء المعتقدات الدينيّة وغير الدينيّة، كما تدعو إلى حصر التجربة الدينيّة بالفضاء الخاص، وعدم إظهار الخيارات الروحيّة في الفضاء العام؛ لأنّ ذلك من شأنه أن يفقده طابعه الكلّي والمشترك. غير أنّ هذه الصيغة من العلمانيّة ليست الوحيدة التي سادت. هناك صيغة أخرى يمكن تسميتها «علمانيّة منفتحة» تقرّ بحياد الدولة إزاء المعتقدات المختلفة، ولكنّها لا تقصي مظاهر التديّن من الفضاء العام.
على الرغم من أهميّة الدلالة السياسيّة للعلمانيّة (فكرة الفصل بين الدولة والكنيسة)، من غير الدقيق اختزال العلمانيّة في بُعدها السياسي. لقد رأينا أنّ العلمانيّة، بوصفها نظاماً سياسياً، ونمطَ حوكمة، ارتبطت بمسارات علمنة متنوّعة بحسب التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة في بلدان أوروبيّة مختلفة. وقد نتج عن ذلك اختلاف الصيغة الفرنسيّة للعلمانيّة عن الصيغة الأنجلوسكسونيّة أو الأمريكيّة. وراء الأشكال المختلفة للعلمانيّة يوجد معنى جوهري يمكن إبرازه: القيم الكونيّة التي تشكّل المثل الأعلى العلماني؛ أي الحريّة والعدالة والخير العام.
لا يعني القول إنّ المجتمع المعاصر أصبح ما بعد علماني أنّه تخلّى عن العلمانيّة، واسترجع أشكال التنظيم السياسي اللّاهوتي القديمة. يمكن تعريف العلمانيّة، بحسب تشارلز تايلور، بأنّها وضعٌ يتميز بثلاث خصائص: إفراغ الفضاء العمومي من الدين، وفصل الدولة عن الكنائس، وبروز الدين بوصفه إمكانيّة روحيّة من بين إمكانيّات أخرى[25]. هل تصلح هذه المعاني لتحديد حقيقة ما بعد العلمانيّة؟
إنّ أطروحة ما بعد العلمانيّة تقبل بالعلمانيّة بالمعنيين الثاني والثالث، ولا تقبل بالمعنى الأوّل، فالفضاء العمومي لم يخلُ تماماً من المطلق الإلهي؛ إذ لا يزال الدين يمثّل مرجعيّة أساسيّة يستمدّ منها الأفراد والجماعات قيماً ومعاني تساعدهم على فهم ذواتهم وتوجيه حياتهم الدنيويّة وانتظار المآل. لا ينطبق هذا الأمر على المجتمعات الغربيّة، التي عرفت مسارات علمنة طويلة فحسب، بل ينطبق أيضاً على مجتمعات أخرى معاصرة لم تخرج من الدين، ومن ثَمَّ لا تنطبق عليها مقولة «عودة الديني» بشكل دقيق.
من المؤكّد أنّ الإنسانيّة تعيش اليوم في «عصر علماني»، وما مقولة «المجتمع ما بعد العلماني» إلّا إثباتاً لانتماء الإنسانيّة إلى الزمن العلماني؛ أي الدنيوي؛ حيث تعيش نمطاً من التعدّديّة المتزايدة على الصعيد الروحي، يسمّيها تشارلز تايلور «سوبرنوفا» روحيّة، وذلك وفق رؤية إنسانويّة جديدة تحتلّ فيها تجربة الإيمان مكانة محوريّة. ليس الدين خياراً روحيًّا مثل الخيارات الأخرى؛ ذلك ما تؤكّده الأطروحة العلمانيّة عندما تسعى إلى تحييده، وما تقرّه أطروحة «ما بعد العلمانيّة» عندما تقوّم الإيمان الديني بصورة إيجابيّة.
[1] - تايلور، تشارلز، المتخيّلات الاجتماعيّة الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، المركز العربي للدراسات والأبحاث، الدوحة، 2015، ص219
[2] - Davie G., Europe: the exceptional case. Parameters of faith in the modern world, London, Darton, Longman and Todd Ltd., 2002.
[3] - Davie G. «The persistence of institutional religion in modern Europe», in L.Woodhead(ed.), Peter Berger and the study of religion, London, Routledge, pp. 101-111, p. 120, cité par J.-P. Willaime.
[4]-Shmuel N. Esenstadt, Multiple modernities, New Brunswick, Transaction Publishers, 2002
[5]-Göle N., «Snapshots of islamic modernity», Daedalus, 129, 1, 2000, (pp. 91-118), p. 93
[6] - Habermas, «Qu'est-ce qu'une société post-séculière?».
[7] - Habermas, Ibid.
[8] - Roger Monjo, «Laïcité et société post-séculière», Tréma, 37 | 2012, [En ligne] http://journals.openedition.org/trema/2710; DOI: 10,4000 /trema,2710 (2019/9/22)
[9] - المصدر نفسه، ص60. Habermas, Raison et Religion. La dialectique de la sécularisation, گditions Salvator, Paris, 2010.
[10] - هابرماس، يورغن، وآخرون، قوّة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، 2013، ص56.
[11] - المصدر نفسه، ص56
[12]- Habermas, «Qu'est-ce qu'une société post-séculière?», in Le Débat, Novembre-Décembre, 2008, pp. 4-15
[13]- Habermas, Entre naturalisme et religion. Les défis de la démocratie, traduit de l'allemand par Christian Bouchindhomme et Alexandre Dupeyrix, Paris, Gallimard, 2008
[14] - Habermas, «Religion et sphère publique», in Entre naturalisme et religion.
[15] - هابرماس (يورغن)، وراتسنغر (جوزيف)، جدليّة العلمنة: العقل والدين، تعريب وتقديم حميد لشهب، دار جداول، بيروت، 2013، ص62
[16]- Habermas, «Une conscience de ce qui manque», Revue Esprit, mai 2007, pp. 5-13
[17]- Philippe Portier, «Démocratie et Religion. La contribution de Jürgen Habermas», in Revue d'éthique et de théologie morale, 2013/4(n° 277), pp. 25-47
[18] - Ibid.
[19]- Charles Taylor, A Secular Age, The Belknap Press of Harvard University Press, Cambridge, Mass; London, England, 2007
[20]- Wilson B.,Religion and secular society. A sociological comment, London, C. A. Watts & CO., 1966
[21]- Berger P. L., La religion dans la conscience moderne. Essai d'analyse culturelle, Paris, èditions du Centurion, 1971
[22] - توسينغ، سلفي (إشراف)، شارل تايلور، الدين والعلمانيّة، ترجمة محمّد أحمد صبح، دار نينوى، دمشق، 2016، ص68
[23] - تايلور، تشارلز، المتخيّلات الاجتماعيّة الحديثة، ص219
[24] - غوشيه، مارسيل، «خيبة الآمال في زوال الأوهام»، في تشارلز توسينغ، تايلور: الدين والعلمانيّة، ص58
[25] - المسكيني، فتحي، «الزمن العلماني وعودة الديني. نموذج تشارلز تايلور»، مجلة التفاهم، العدد 41، 2013. (*) (Les Albigeois) نسبة إلى مدينة ألبي (Albi) الفرنسيّة، وهي طائفة دينيّة ظهرت في القرن الحادي عشر، ويبدو أنّها ظهرت في البداية في شرق أوروبّا ، وانتشرت بعد ذلك في بعض مناطق إيطاليا ووسط فرنسا. وقد أطلق على أتباع هذه البدعة اسم «الكتريين» (Catares)؛ أي الطهريين، ولاحقاً أصبحت الكلمة تدلّ على كلّ الذين يقرّون بحريّة الضمير ويرفضون السلطة الدينيّة للبابا. [الهوامش المشار إليها بأرقام تسلسليّة هي من أصل الكتاب، أمّا تلك المشار إليها بالعلامة (*) فهي من وضع المترجم]. (*) تسليمة نصرين هي كاتبة باكستانيّة من أصول بنغاليّة، عُرفت بوصفها مناضلة من أجل تحرّر النساء ومعارضة لما تسمّيه الظلاميّة الدينيّة. (*) الكليروسيّة تعني هيمنة الإكليروس (رجال الدين المسيحيين) على شؤون حياة الناس الدنيويّة والدينيّة من خلال توظيف السلطة الزمنيّة. (*)Marianne اسم أنثوي يرمز إلى فرنسا التي تحرّرت بعد الثورة من عبوديّة المَلكيّة المطلقة، وتحوّلت إلى جمهوريّة.