إنجيل يوحنا بين الوثنية واللوغوس اليوناني
فئة : مقالات
إنجيل يوحنا بين الوثنية واللوغوس اليوناني
اللوغوس بحسب الكنيسة الأرثوذكسية، بمعناها التجريدي في الفلسفة اليونانية "Logos" هو العقل الإلهي الظاهر في الوجود بالتجسد؛ أي "الكلمة". وقد استخدم القديس إثناسيوس والقديس كيرلس كلمة اللوغوس بمعنى العقل. كما استعملت المعاجم اليونانية والإنجليزية معنى "λόγος" اليونانية كسبب، باعث، علة، أو عقل في قاموس أكسفورد الإنجليزي، وفي العربية هي الكلمة الملفوظة الصادرة من العقل، الإدراك، الفهم، الرأي، القوة الفكرية. وقد استخدمها فلاسفة اليونان بمعانٍ قريبة للتعبير عن القوة الكلية، العقل الكلي، القدرة الباطنية للإله، الروح القدس، وغيرها مما يدل على أنها الشكل اللاهوتي غير المرئي القادر على إنجاز أعمال الإله الفعالة. فهي الإرادة داخل كيان الله أو الإله، العقل الذي يدير العالم وينظم الوجود، القوة الخالدة، وهي بتعبير أدق الحقيقة الأزلية. هكذا عبّر عنها هيراقليطس، "العقل الكلي"، قوة غير مرئية علة لنتائج الحركة في الأشياء، مبدأ جوهر في اللاهوت، مستقل بذاته، في الله الكلي سبب نشوء الكون. فكرة اللوغوس لم تكن من مخترعات يوحنا في العقيدة المسيحية، بل هي فكرة فلسفية انبثقت في تاريخ الفكر اللاهوتي اليوناني، وكانت سائدة عدة قرون قبل أن يتبناها يوحنا في إنجيله.
كيف دخلت فكرة اللوغوس في الحياة اللاهوتية لليهود؟ وكيف عبّر عنها تاريخهم اللاهوتي في العهد القديم؟ وكيف تمكن فيلون الإسكندري (20 ق.م - 50 ميلادي) من تنظيم الفكرة وزجّها في تاريخ المسيحية؟
لقد مرّ اللوغوس بمراحل عديدة نضجت فيها فكرته، حتى صارت مبدأ عقائديًا في اللاهوت المسيحي تحت مسمى "الكلمة الباطنة"؛ أي المستوطنة في العقل، القوة الفكرية القادرة على دفع العقل للوعي وتحويل مفاهيمه إلى السلوكيات؛ أي إن اللوغوس بات المحرك التخيلي واللاهوتي الفاعل داخل الإنسان والمتحكم في تصوراته وتكوين قناعاته، المتحكم في كل الوجود. اللوغوس على القياس المنطقي اليوناني هو صفة تختص بقوى التحكم في الكون، وهي الذات الإلهية في العقيدة المسيحية. نحن أمام انتقال عقائدي بين الفكر اليوناني، الذي كان يراه كلّي القدرة، وبين كيان تجسدي في العقيدة المسيحية. اقتبست المسيحية حالة اللوغوس اليوناني إلى مرحلة المتجسد من خلال المفهوم الأفلاطوني، بأن اللوغوس "عقل خلاق" والمعرفة الإلهية حتى تطور هذا المفهوم في العقيدة المسيحية بما يعادل العقل الإلهي، بل ويكون سببًا لمبدأ الخلق في الكون.
إن المسيحية نقلت التراث اليوناني من حالة اللوغوس الضيقة إلى رحاب القوة البارعة غير المرئية التي تدير نظام الكون. وقد صحّ عنه التعبير "القوة الفعالة والقدرة المطلقة"، كما وصفها الفيلسوف الألماني جورج هيجل. تحول اللوغوس من الفكرة المطلقة في تفسير المعنى الكوني للوجود إلى مرحلة الحلول والظهور في الجسد كما هو الحال في العقيدة المسيحية، وفي انتشار المعتقد الغيبي، وكذلك الذي سبق ظهور المسيح في إنصاف الآلهة، صار اللوغوس كينونة متجسدة لحماً ودماً وجودًا بشريًّا في ذات يسوع المسيح. لقد انسجم عصر أنبياء بني إسرائيل في أسفارهم المنحولة التي صاغوا من خلالها كتاباتهم الشخصية التي تمسح ذنوب اليهود وتمردهم على الإله يهوه، وخروجهم عن الإيمان التقليدي للشرائع اليهودية، حتى يغفر لهم الله بتوحيد الفكرة المسيانية اليهودية في الجسد، لعودة الإيمان السليم بهدف نيل الغفران الإلهي.
فصار المسيح الحلقة الرابطة بين الفكر اللاهوتي اليوناني في اللوغوس مع التاريخ الديني اليهودي الذي بلغ ذروته في خيال النبوءات التي صاغها العقل الديني اليهودي عبر التاريخ. لقد جمع العقل المسيحي مع التراث اليوناني فكر الشخصية الإلهية التي تحولت من فكر سماوي خيالي إلى فكر أرضي سماوي لربط فكرة اللوغوس، حتى تكون فكراً دينياً عالميًا ما زال إلى يومنا متمثلاً في كنائس العالم المسيحي. وبقيام رسله وأتباعهم الذين جعلوا من الفكر اليوناني حياة دينية راسخة لمئات الملايين في أرجاء الأرض. إنها حقًا عبقرية استطاعت أن تصون الإيمان الراسخ الشديد الرسوخ، وأن تكون حقيقة صنعت من خلال التمسك بقيم الغيب غير المرئي، مما جعل منها شخصيات تعلمت معنى طريق الإيمان من أجل العقيدة التي كانت يومًا مجرد فكرة مرت في تاريخ الفلسفة اليونانية.
وحسب فيلون الإسكندري، فإن فلسفة أفلاطون موجودة أصلاً في الكتاب المقدس، وأن اللوغوس هو مثال المثل، ومن هنا يتضح أن التأثير الأفلاطوني على العقيدة اللاهوتية لليهود يعود أصلاً إلى أفلاطون، تلك الشخصية التي صاغت لليهود تاريخ تراثهم اللاهوتي. وبحسب فيلون الإسكندري، فإن "الله لا يحده عقل... أما المادة، فلها حدود ولها نهاية". ولذا، وجب أن يكون هناك وسيط بين المحدود واللامتناهي، وهذا الوسيط بين الله والعالم هو "الكلمة أول مولود لله". إنها الأقنوم الثاني في الذات الإلهية. لقد كان لفيلون أثر عميق في اللاهوت المسيحي والفكر المسيحي1. اللوغوس، بحسب وصفه، هو الحكمة الإلهية، الروح الإلهي، ملاك الله، ابن الله، الإله الثاني، قانون العالم.
لقد اشتق التفكير اللاهوتي عند فيلون الإسكندري من فلسفة أفلاطون؛ إذ ترى أن الكون يحتوي على عالمين: العالم المحسوس، عالم التعددية، عالم الصيرورة والفساد، الذي يقع بين الوجود واللاوجود. إنه نتيجة لعملية الفيض كصانع إلهي؛ أي إن الموجودات صدرت أو فاضت عن الله كما ينبثق الضوء عن الشمس. إن استنباط عبقرية فكرة عالم المثل عند أفلاطون أنتج المعتقد اللاهوتي لعالم الغيب من خلال المادة والجوهر، وهذا الجوهر يحل في أي مكان، رغم بقائه في محل خاص به؛ أي إن الفيض الإلهي عند أفلاطون هو انبثاق روحاني في مكان ووجوده الشخصي في مكان آخر. وبهذا، يكون أفلاطون قد نقل الفكر الديني، بأن جعل للروحانيات فكراً مثالياً تحل فيه الذات الإلهية في أي مكان تشاء، وتكون في أي جسد. وبما أن للبشر أجسادًا عاقلة واعية مدركة لوجودها في الكون، فتكون عقولها واسطة الربط بينها وبين الخالق.
إن فلسفة أفلاطون أسست المدرسة المثالية لعالم اللاهوت قبل قيام المسيحية، وعبّدت لها الطريق لتصبح فلسفة مثالية متميزة تحول فيها الفيض الإلهي في شخص يسوع المسيح. لقد أثّر فكر أفلاطون في "العمق على مجمل الفكر الغربي، سواء في مجال اللاهوت المسلم، اليهودي، المسيحي، أو في مجال الفلسفة العلمانية التي يشكل هذا الفكر نموذجها الأول"2. تفرد الفكر اللاهوتي اليوناني بالمصطلح الفلسفي "Logos" الذي تعني "الكلمة"، والذي استخدمه يوحنا في سفره، حتى شمل المعنى تفسيرًا معقدًا إلى العقل الإلهي، أو الشكل الاستدلالي للعقل الكوني، فهو معنى شمولي عقلي تحليلي شخصي طوره أفلاطون ممهداً الطريق لقيم دينية، حتى صار مفهوماً وشكلاً منطقياً للإيمان، وعلى أساسه يعيش الإنسان. وعلى الرغم من غموض اللوغوس حتى عند أفلاطون نفسه ويوحنا وغيرهم من فلاسفة وأتباع الإيمان المسيحي، إلا أنه بقي راسخًا في اللاهوت المسيحي، حتى تطور إلى شكل كنائسي مقدس في ثالوث العالم المسيحي.
اتخذ هيرقليطس فكرة اللوغوس بوصفه قانون العالم الخالد، مبدأ الحياة والإرادة الإلهية التي يخضع لها الوجود كليًا، القوة الخارقة التي تدير شؤون العالم. هو بذلك سبق أفلاطون في إدخال المعتقدات الغيبية في التفسيرات العقلية للكون. هو قانون العالم ويكون السبب في الوجود؛ إذ إن هذا القانون موجود داخل النفس البشرية. لو ركزنا في نص إنجيل يوحنا، لوجدنا التشابه الشديد في الاستدلال والمعنى الذي قصده هيرقليطس نراه في سفر يوحنا بكل وضوح: "في البدء كانت الكلمة" (اللوغوس)... "الكلمة صار بشراً وحل بيننا"3. حلول الإرادة الإلهية التي تدير شؤون الكون موجودة في الذات البشرية، ووجدت طريقها عند يوحنا في ذات يسوع المسيح. إنها قانون العالم الخالد والقوة الأزلية، وقد حلت بين البشر.
إننا أمام تراث عقلي عقائدي انتقل من فلسفة التحليلات العقلية إلى فلسفة الواقع البشري، حيث ورثت ذات المفهوم الاستدلالي في اللوغوس أن يكون بشراً، فهو الحقيقة والجوهر الواحد للعالم المحسوس. إن أول من نادى بفكرة اللوغوس كمبدأ للعقيدة الروحانية الموجودة في كل مكان، مشترك بين جميع الخلق، وما في نفوسنا إلا قبس منه، وقد أشار يوحنا إلى ذات الطبيعة اللاهوتية في شخص المسيح قائلاً: "أنا والأب واحد"4 واحد في الجوهر والطبيعة اللاهوتية. رغم الوحدة اللاهوتية بين الأب والابن في سفر يوحنا، إلا أن هناك تناقضًا كما في النص: "أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ"5.
لقد قدّم الدين المصري القديم واللاهوت الإغريقي معًا صياغة الإله؛ إذ جعل "خلق العالم قد خطط له عقل الإله، وكانت وسيلة التنفيذ الكلمة التي نطق بها"، وهذا استباق مذهل لعقيدة الإغريق التي ظهرت بعد ذلك بفترة طويلة حول اللوغوس (Logos) أو الكلمة المقدسة. فضلاً عن ذلك، فإن "لاهوت الخلق" في هرموبوليس (Hermopolis)6 المدينة التي ارتبطت بها ثمان آلهة في مصر القديمة. إن فكرة اللوغوس (Logos) كانت واسعة الانتشار قبل قيام المسيحية، وقد أثر فيلون الإسكندري في سفر يوحنا مؤمنًا بفكرة اللوغوس "الكلمة". كذلك، كيف تمكنت تعاليم هيراقليطس بقوة تأثيرها على إنجيل يوحنا، فكما أن يوحنا أشار إلى أزلية يسوع المسيح "الكلمة": "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ، فيه كانت الحياة"، وهي إضافة لم تختلف عن فكرة هيراقليطس في اللوغوس: "هو حقيقة أيضًا مطلقة فوق التغيير المحسوس". إن اللوغوس عند هيراقليطس مبدأ مادي منبث في العالم متحد به، وعنده هو موجود روحي مفارق للعالم، مسيطر عليه تجسد البشرية من نير الخطية، كما كان عند يوحنا الإنجيلي شخصًا تاريخيًا تجسدت فيه الكلمة. إن هيراقليطس يذهب أيضًا إلى القول إن الكلمة منبثّة في الآراء المتغيرة، ولكنها أيضًا مفارقة، كما أن هيراقليطس كان يذهب أيضًا إلى أن الكلمة تجسدت فيه هو؛ فالمذهب المسيحي في الكلمة إنما هو كل تفسير واضح مؤكد لمذهب هيراقليطس7. عند مقارنة الفكر الفلسفي اليوناني بعقيدة تجسد المسيح، وفي جعله الأقنوم الثاني في الذات الإلهية، يكون القديس أمبروسيوس قد جعل يسوع المسيح هي الذات الإلهية التي أسس بناءها الفكري أفلاطون، فيلون، هيراقليطس، وغيرهم من دعاة الفكر التجريدي في إيجاد سبب عقلي يكون علة وجود العالم.
لقد أكد القديس أغسطينوس أن معرفة الابن هي معرفة الأب نفسه، فهو ابنه وكلمته. أما عدم معرفته: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ"، فلقد فسّرها القديس أغسطينوس قائلاً: ليس من صالحنا أن يخبرنا بما ليس في صالحنا أن نعرفه. قرأ القديس أوغسطينوس من آباء الكنيسة اللاتينية وكان أبوه وثنيًا، كتابات أفلاطون وعلى الأرجح أفلوطين نفسه "ووجد لديهم حول الماهية الإلهية وطبيعة الشر تصورات فتحت له سبلاً جديدة"، فقد فهم أن الله نور، جوهر روحي، كل شيء تابع له، وهو غير تابع لأحد8. فهذا دليل نقلي وتاريخي برهن أن التراث الفلسفي اليوناني قد وجّه الكثير من القادة الدينيين في إيجاد لاهوت منظم منطقي كان أصلاً من معتقدات يونانية اكتسبت جذورها العقائدية من التقاليد الوثنية ثم تطوّر إلى الفكر الفلسفي الذي أنتج اللوغوس في تاريخ المعتقدات الغيبية حتى صاغه قادة الأديان في التشكيل اللاهوتي للعقيدة المسيحية فيما بعد.
كان نتاج فيلون الإسكندري واحدًا من الانعكاسات "الأبلغ دلالة لتوفيقية النصف الأول من القرن الأول الميلادي، تلك التوفيقية التي تلاقى فيها الفكر اليوناني والفكر العبري ... ورائداً للأفلاطونية المحدثة، وبانياً لمذهب يمكن معه البلوغ إلى الله الواحد عن طريق قوى وسيطة، وعلى الأخص منها (اللوغوس). يميز فيلون أفلاطونيته، وكذلك مجهوده لبيان حضور الفلسفة في نصوص اليهود المقدسة ولتأويل هذه النصوص تأويلاً نظريًا. تاريخ اليهود هو ما يتخذه أساسًا وما يفسره. لكن ما يميزه هو أن قصص هذا التاريخ ووقائعه العينية تفقد بالنسبة إليه دلالتها المباشرة كواقع فعلي، وأنه يدخل عليها، بدءًا من الألفاظ ذاتها، دلالة صوفية ومجازية، فيلقي على هذا النحو أفلاطون في موسى9".
لقد أسهم نتاج فيلون الإسكندري في نقل اللاهوت اليوناني حول الطبيعة الإلهية التي أنتجها العقل الأفلاطوني، إلى التراث اليهودي في شكله الغيبي في النصوص المقدسة، وشكلت العقيدة المركزية للتوراة والأسفار المنحولة. لقد تم تأسيس الطبيعة اللاهوتية ليسوع المسيح في مؤتمر نيقية، على يد القديس أثناسيوس وبعد أن انتصر صراعه العقائدي عند اندلاع خصومته مع الآريوسيين، وكانت أشهر مؤلفاته "عن أصول العقيدة"، الرد على اليونانيين وخطاب في التجسد. ففي معرض دفاعه عن اللوغوس المتجسد أشار إلى أن التجسد موجود في أصبع القدم هكذا: "اللوغوس يسود الكون كله والجسد جزء من الكل .. العقل موجود في الإنسان ويعبر عنه بجزء واحد هو اللسان .. هكذا اللوغوس كائن في كل الأشياء واستخدم الجسد البشري كأداة ويكرر فكرة الجسد كأداة أكثر من مرة"10. بهذا يكون أثناسيوس قد عارض اللوغوس اليوناني ووجد منطقًا اقتبسه من الأصل اليوناني، كي يقيم الدليل على ألوهية يسوع المسيح، رغم أن المنطق الجدلي نفسه لم يبرهن على صحته الواقعية لا مؤتمر نيقية ولا أثناسيوس نفسه عدا كونه منطقًا خاليًا من الاستدلال وبهدف إيجاد معتقد لاهوتي لا أكثر.
بحسب كتاب The Religious Content of Ethnic Identities "المحتوى الديني للهويات العرقية"، تحفز صراعات الهوية الدينية والصراعات الاجتماعية الأخرى لقوميات مختلفة، كما هو الحال في استنباط فكرة اللوغوس عند أفلاطونيوناني الأصل لم تكن عبر التجسد، بينما أثناسيوس يهودي الأصل مسيحي الولاء، اقتبس فكرة أفلاطون وأضاف عليها عقيدة التجسد. أما الدوافع القومية العرقية، فقد تكتسب للأبعاد الدينية تعصبًا، منطقًا خاصًا بها، وإن اقتبسها من الأصل. وعلى هذا، فإن هناك العديد من السياقات لها علاقة متبادلة بين الدين والعرق، يلعب الدين دورًا داعمًا للمحور العرقي. هي عقيدة عقلية في الفكر اليوناني، لكنها حالة تجسد في الفكر اللاهوتي المسيحي، لكن تبقى أصولها اللاهوتية لا علاقة لها بمعتقدات التجسد.
كيف فهم اليهود "اللوغوس" في العهد القديم؟ بحسب الترجمة العبرية لكلمة הדבר استخدمت بمعنى نطق الله وكلامه مع أنبيائه، وقد تكلم مع موسى في حوارات عديدة كما في سفر الخروج، لقد فهم اليهود كلام الله المعنى اللفظي المباشر، فهو الكلام الذي صنع الشريعة بشكل جعل الله شخصية واحدة، أقنوم إلهي واحد غير منقسم، غير مرئي، كيان مقدس، استخدم كلام الله للإرشاد، للأوامر والنواهي.
لقد فهم اليهود كلام الله كما فهمه موسى في سفر العدد 11: "فقال الرب لموسى هل تقصر يد الرب؟ الآن ترى أيوافيك كلامي أم لا؟ فخرج موسى وكلّم الشعب بكلام الرب". هكذا فهم اليهود تجسد "الكلمة" اللوغوس كان بعيدًا عن كل التوقعات اللاهوتية، عقيدة في كل أسفار العهد القديم، فلم تكن حياتهم اللاهوتية عن تجسد اللوغوس بشكل صريح ومعلن، حتى في الترجمة السبعينية أو في الأسفار العبرانية، لم يكن تاريخ الآباء الأوائل الذين دافعوا عن عقيدة المسيح شكلاً تجسديًا ناسوتيًا للإله الذي نادى به المسيح. كانت أسفارهم ملأى بمخزون تجريدي معنوي لتقريب العلاقة بين الرب والناس كما وردت في الكثير من أسفار العهد القديم كسفر الأمثال: "الرب قناني" "أنشأني" أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم". فهذه التعابير الحسية ذو الصبغة الوجدانية في الأسلوب الشعري مهدت الطريق للجماعات الكهنوتية اليهودية التي ربما أجادوا اللغة اليونانية، مزجوا بين الأفكار الفلسفية والتاريخ العبري للمعتقدات اللاهوتية، أن تحولت إلى نتاج فلسفي جديد أبعد المسيحية عن خطها التقليدي في التأمل الإيماني للذات الإلهية، جعلت يوحنا خارج التراث اللاهوتي بخياله الديني في سفره.
لقد أثر فيلون الإسكندري في التاريخ اللاهوتي اليهودي الخالي من التصورات الفلسفية لبناء عقيدة لاهوتية اندمجت مع المنطق التصوري للخالق في الفكر الفلسفي اليوناني، فقام بصياغة العقيدة اليهودية بما يتناسب مع طريقة التفكير الفلسفي اليوناني، ليكون هناك اتحاد عقلي عقائدي فلسفي مشترك في التراث اللاهوتي اليوناني اليهودي. لقد شهد عصر الآباء الأوائل تطورًا عقليًا في صياغة المعتقدات كما كان شأن الغنوصية التي أضافت غموضًا جديدًا للعقائد الفلسفية، حتى اختلط التاريخ الوثني للمعتقدات خاصة عندما انتمى الرسول بولس، وهو حديث العهد بالوثنية للمسيحية، فقام بوضع تعاليم ومبادئ دينية لم تكن في شريعة يسوع المسيح كالدم والفداء، الكفارة، وعقيدة الصلب، حتى ظهر التجسد نتاجًا فكريًا فلسفيًا اختلط مع الإيمان الصافي في استحداث الطبيعة الناسوتية واللاهوتية كي يتخذ من جسد المسيح الكلمة التي أصبحت جسدًا، وحلت بتاريخ العقيدة المسيحية، وقد مثل الأقنوم الثاني في الذات الإلهية. ترسخت تلك المعتقدات ونضجت في القرن الثاني الميلادي، حتى بات مصطلح اللوغوس ضمن الثقافة الإغريقية الرومانية اليهودية، وفي الأسفار المنحولة لتكون أداة تبشير بالوعد المسياني القادم في المعتقدات اليهودية، فصار الكون كله حقيقة لاهوتية مطلقة أمام مخلوق بشري واحد بشخص يسوع المسيح. صار مساويًا لله في الجوهر، ذلك أن المفهوم الغيبي في الفلسفة اليونانية تناقض مفهوم الله وطبيعة مصالحه على الأرض كشخص يتصف بصفات تخص ذاته للمعتقد اليهودي. لقد نجح فيلون الإسكندري في تثبيت المعتقد اليهودي من خلال الفلسفة الأغريقية في فكرة اللوغوس الذي تحول إلى كيان إلهي الوجود بطبيعة بشرية، صار الوسيط بين الله والناس، وصار الله نفسه في إله ثلاثي الأقانيم.
لقد حلّ التفسير الرمزي في بعض فقرات الكتاب المقدس بما يتلاءم مع عقيدة اللاهوت في اللوغوس؛ إذ تم ترجمة سفر التكوين 27:1 "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ". رغم أن صورة الله ترمز إلى دلالات عديدة، لكنها عند فيلون الإسكندري اللوغوس الذي يحتوي الكيان الإلهي بين الناس، وقد ظهر تأثير فيلون والفكر الفلسفي الأفلاطوني في إنجيل يوحنا، حتى صار المرجع اللاهوتي الأهم في كنائس العالم المسيحي.
إن مبدأ اللوغوس المتماثل مع عقيدة حلول اللاهوت في الطبيعة الناسوتية ليسوع المسيح تعارضت بشدة في محتواها الشخصي ليسوع المسيح وتناسبت بشدة مع جهل القديس يوحنا في عالم المعتقدات اللاهوتية اليهودية، ففي موضوع تجربة إبليس ليسوع تضائل لاهوت المسيح بل انعدم أمام محاولات إغرائه، رأينا كيف تأثر هذا الجسد الناسوتي في الروح اللاهوتية، فلقد تساوى يسوع مع جميع البشر، ذلك أن الله وحده يمتلك السلطان على الشيطان ولا يخضع لتجربة: "أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس، وكان يقتاد بالروح في البرية أربعين يومًا يُجَرَّبُ مِنْ إبليسَ. ولم يأكل شيئًا في تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيرًا"11. يتضح من النص أن يسوع المسيح لم يكن ممتلئًا من الروح القدس قبل عودته من الأردن، فكيف امتلأ من الأقنوم الثالث، وهو الأقنوم الثاني المعادل في الذات الإلهية؟ ذلك بحسب عقيدة الثالوث والتجسد هو الأقنوم الأول، كذلك قد امتلأ بالروح القدس، وهل علم إبليس أنه يجرب الله المتجسد والكلي القدرة؟
إن عقيدة "الكلمة" التي أضفاها يوحنا برهنت أن ناسوت يسوع قد فارق لاهوته أثناء التجربة، تعارض هذا الناسوت بما لا يحتمله الحرمان من الأكل أربعين يومًا، كذلك إبليس تصرف بهذا اللاهوت المتجسد "فصارت" الكلمة "خاضعة لأوامر إبليس". أن تجربة يسوع المسيح "لوغوس العقيدة اللاهوتية" تعارضت مع الإيمان المطلق للإله الكلي القدرة "لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا"12. فمن الذي أعطى للشيطان هيمنة التحكم بالإله المتجسد؟ لابد أن يكون يسوع المسيح نفسه، فهل هذا يناسب الإيمان السليم؟ أن العهد القديم بكل أسفاره لم يضع الله في موقف الخاضع كي يبرهن لذاته فنون الطاعة لمخلوق يعارضه، وهو يعلم أنه الخالق. فلو أدرك يسوع المسيح أنه الله الكلمة، وأنه الكلي القدرة بلاهوته الناسوتي لما تم اقتياده من قبل الشيطان.
المراجع ومصادر البحث:
1- تاريخ الفكر الديني الجاهلي، د. محمد إبراهيم الفيومي، طبعة رابعة، دار الفكر العربي القاهرة 1994، مطبعة اميرة، عابدين. ص 150. فيلو الإسكندري ونشأة الفلسفة الدينية.
2- Entwistle, David N., Integrative Approaches to Psychology and Christianity, p148 نسخة محفوظة، يناير 2020 Wayback Machine, Digital archive by the Internet Archive.
3- سفر يوحنا، أصحاح 1 : 14
4- سفر يوحنا أصحاح 10 : 30
5- سفر يوحنا أصحاح 17 : 22
6- المعتقدات الدينية لدى الشعوب، مشرف التحرير جفري بارندر، ترجمة إمام عبد الفتاح، عالم المعرفة 1993، ص 37
7- هيراقليطس فيلسوف التغيير، واثره في الفكر الفلسفي، دكتور علي سامي النشار، طبعة اولى 1969، ص 273 -275. دار المعارف. مصر.
8-معجم الفلاسفة، طبعة ثالثة، جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت 2006، ص 117
9- معجم الفلاسفة، طبعة ثالثة، جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت 2006، ص 490
10-تجسد الكلمة، اثناسيوس الرسولي، المركز الارثوذكسي للدراسات، الفصل 42
11- سفر لوقا، اصحاح 4 : 1 -2
12 -رسالة يعقوب 1: 13