التجديد وفخّ ارتحال المعنى والدلالة
فئة : مقالات
التجديد وفخّ ارتحال المعنى والدلالة
ظاهرة ارتحال المعنى
ظاهرة ارتحال المعنى والدلالة عبر التاريخ من زمن إلى زمن، سارية المفعول، ولا مهرب منها؛ لأن ذلك يشكل جزءا من ذاكرة الجماعات والأفراد، والإنسان في جميع الأحوال لا يمكن أن يعيش دون إرث أو ذاكرة، والذاكرة في أحد أوجهها ما هي إلا ارتحال للمعنى من زمن الماضي إلى زمن الحاضر، هذا الحضور يأخذ بعدين؛ يرتبط البعد الأول بالاسترجاع الذي يحضر معه الشغف بالتكرار والإعادة والاتباع دون وعي ولا نقد ولا تحليل، وفي هذه الحالة، يتحول الماضي إلى سلطة ترتقي إلى حالة المقدس الذي لا يناقش، ويرتبط البعد الثاني بالاسترجاع الذي يحضر معه النقد والتحليل والوعي بما حدث وفق ظرفه التاريخي، والوعي في الوقت ذاته باللحظة التاريخية للاسترجاع، في هذه الحالة يحضر الماضي بوصفه فعلا إنسانيا يتسم بالخطأ والصواب، وليس بالضرورة أن ما هو صواب بالأمس أو خطأ، يبقى صوابا أو خطأ، هذه الحالة تسمح للحاضر أن يتغذى ويستفيد من الماضي، وتسمح للحاضر أن يتجدد ويتحول من لحظة إلى أخرى وهو غير مثقل بعبء الماضي. إنها حالة من القدرة على القول بالجديد والخروج من القديم ومن الذاكرة والتراث في حالة من الاتصال والانفصال في الوقت ذاته.
الشريعة إذن يصدق عليها، ما جئنا على ذكره حول ظاهرة ارتحال المعنى والدلالة عبر التاريخ؛ "فإمكانية قول جديد في الشريعة، لا بد أن تؤسِّس نفسها على استعادة الفهم القرآني (المنفتح) لها؛ وذلك في مواجهة ما يبدو أنه تاريخ من الفهم (المنغلق) الضيق الذي تتحكَّم فيه مفاهيم صنعتها عصور الجمود والركود الطويل التي عاشتها المجتمعات الإسلامية. ولسوء الحظ، فإن الأمر لا يقف عند مجرد ركود المفاهيم وجمودها، بل يتجاوز إلى الانحراف بها عن المجال التداولي لها في القرآن. وبالرغم من ذلك، فإن مُنتجي هذا الفهم وحُرَّاسه لا يكفون عن الادعاء بأن القرآن هو مصدر تلك المفاهيم، لكي يهبوها حصانته وقداسته؛ وذلك بمثل ما هو حاصل مع مفهوم الشريعة. وعلى هذا النحو، فإن المفهوم لا يقدر على تفجير الطاقة المعرفية التي يكتنزها القرآن، بقدر ما ينتصب كأداة يتلاعب بها الخصوم في حروب الهيمنة والإقصاء."[1]
الإسلاميون وارتحال المعنى في فهم الشريعة
يتعدد مفهوم الشريعة بتعدد الأزمنة والأمكنة، وهذه حقيقة بديهية، لا نقاش بشأنها، إلا أن مختلف اتجاهات الإسلام السياسي، تقفز على هذه الحقيقة، وتنظر إلى الشريعة بكونها نضجت واكتملت فيما مضى من الزمن، فمختلف الأحكام الفقهية ومجمل التصورات والفهم الذي تشكل لنصوص القرآن، من لدن كبار العلماء، في مختلف المذاهب التي تشكلت في دار الإسلام، على طول التاريخ الإسلامي، صالحة لزماننا الذي نعيشه ونحياه في وقتنا الراهن، طبعا جماعات الإسلام السياسي تتفاوت فيما بينها، من جهة ما تقبل عليه وما وتقدمه عن غيره من النصوص والأقوال، لكن من حيث المبدأ العام، فهي تتفق فيما بينها على كون الشريعة ذات طابع مكتمل، وتتفق بأن مجمل الأحكام التي قال بها القرآن تلزم المسلمين في زماننا الحاضر، والمشكلة أنها لا تلزمهم بفهمها مجددا وفق ما يقتضيه حاضرهم، بل تلزمهم وفق فهم السلف من العلماء، وهذه مشكلة منهجية ومعرفية تضعنا أمام معضلة مفادها، ارتحال المعاني والدلالات من زمن إلى زمن آخر؛ فحالة الارتحال هذه يترتب عنها التقليد والاتباع والتكرار، وهذه هي الحالة التي عليها اليوم واقع حال مختلف الدعاة الذين يتصدرون مختلف القنوات الإعلامية، وهم يقربون مختلف معاني الشريعة للناس؛ ففي القرن الواحد والعشرين، تجدهم يكررون، مختلف مضامين الفقه والشريعة كما هي في القرن العاشر الميلادي دون كلل ولا خجل، المشكلة هنا ليست في الاسترجاع وتتبع تاريخ الأفكار، ولكن المشكلة عندما يكون الاسترجاع فاقدا للمنهج النقدي الذي يقتضي الاستيعاب والتجاوز، الكثير من دعاة العصر اليوم مثلهم مثل الذي يكرر مضامين فلسفة أفلاطون وأرسطو بدعوى أنه يتفلسف، فالفلسفة ليست متونا تحفظ من بطون الكتب بقدر ما هي ملكة للتحليل والنظر، كذلك هي الشريعة التي جعل منها ابن رشد الفيلسوف الأخت الرضيعة للحكمة.
يتذرع اليوم المحسوبون على دعوة الإسلام السياسي، بأن فشل مشروعهم يعود إلى تآمر الخصوم، وتواطئهم ضدهم، متجاهلين حقيقة أن "الأمر يرتبط في العمق بعوائق ذاتية تُفشِل المشروع من داخله. وتتمثل هذه العوائق الذاتية فيما أظهره حاملو رايات المشروع من العجز البيِّن عن إعادة التفكير في أصول الإسلام الكبرى (القرآن والشريعة مثلًا) على النحو الذي يجعلها أساسًا لقول جديد، وبما يسمح للمشروع من اجتراح إجابات خلَّاقة على أسئلة اللحظة الراهنة. وهكذا، فإنهم لم يعرفوا إلا استخدام الإسلام كشعار فارغ يستهدفون به إخضاع الجمهور، واحتكار المجال العام بالكلية. وغني عن البيان، أن ذلك الاستخدام قد وصل بالمشروع إلى السلطة، ولكنه كان لا بد أن يصل به إلى الفشل في إحداث أي تغيير في الواقع يضمن له البقاء فيها. وينشأ ذلك عن حقيقة أن إحداث «التغيير»، إنما يستلزم اشتغال فعل «التفكير»، وهو ما بدا أن دُعاة المشروع عاجزون عن الوفاء به، على نحو كامل."[2]
الإخفاق الذي عرفته طروحات الإسلاميين، هو الإخفاق نفسه الذي واجهه في العالم العربي والإسلامي، كلٌّ من ليبراليين ويساريين وغيرهم لماذا؟ فلا أحد من هؤلاء سعى جاهدا لتقديم قراءات جديدة ومعاصرة لموضوع القرآن والشريعة؛ فالليبراليون كان الموضوع بالنسبة إليهم موضوعا يرتبط بالهامش، ولا فائدة في التفكير فيه، بينما هو موضوع يلامس الأبعاد الثقافية والنفسية والفكرية والحضارية للإنسان العربي. أما اليسار، فيرون في الموضوع موضوعا للقطيعة، أو للقراءة الأيديولوجية التي تقرأ التاريخ الإنساني، من منظور واحد، وهو منظور الصراع الطبقي وتحول وسائل الإنتاج، وفق هذا السياق العام بشكل عام احتكر الإسلاميون موضوع القرآن والشريعة، إلا في حالات نادرة ظهر فيها أفراد وقد بسطوا مقاربات جديدة لمفهوم القرآن والشريعة، وقد تصدى لها الإسلاميون وألّبوا المجتمع ضدها، والغريب أن تجد بعض الليبراليين لا يناصرونها، مثل ما حدث مع محمد أحمد خلف الله وكتابه القصص القرآني أو طه حسين وكتابه في الشعر الجاهلي، أو نصر حامد أبو زيد.
العالم الإسلامي ومأزق ارتحال المعنى
ما حدث من تحولات في الشارع العربي ما بعد الألفية الأولى، وهو ما اصطلح عليه بالربيع العربي، "وبصرف النظر عن مأزق مشروع الإسلام السياسي، قد كشفت عن احتياج المسلمين، على العموم، إلى إعادة التفكير في أصول دينهم الكبرى، التي هي القرآن والشريعة بالذات، إذا شاءوا أن يكونوا فاعلين في العالم. وضمن سياق السعي إلى إعادة التفكير في هذه الأصول، فإن التركيز هنا سوف ينصبُّ على التمييز بين الدلالات التي تسكنها وتنطوي عليها، وبين التحولات التي طرأت عليها. ويرتبط ذلك بحقيقة أن الثقافة الإسلامية، على العموم، قد خضعت لضرب من التحول الذي بدا أن أصولها الكبرى قد راحت فيه تنتقل من دلالتها الواسعة المنفتحة إلى أخرى أكثر ضيقًا ومحدودية".[3] وفي هذا السياق، تأتي أهمية المشروعات العلمية التي ظهرت في النصف الأخير من القرن العشرين، والتي انكبت على قراءة التراث الثقافي الإسلامي، ونحن هنا لا نقيم تلك المشاريع من جهة أبعادها الأيديولوجية ومن جهة نزعات أصحابها الفكرية والمدرية وغير ذلك، لكنها قد اتجهت نحو وجهة مفادها بداية التفكير في إعادة بناء قواعد التفكير المنهجي في الأصول الكبرى للذات العربية المسلمة، على في مقدمة ذلك أصل القرآن والشريعة.
والحقيقة أننا اليوم في أمس الحاجة لإعادة قراءة مختلف تلك المشاريع الفكرية واستثمارها، في بسط طروحات وأفكار جديدة، تستجيب لمقتضيات اللحظة الراهنة، وهي لحظة اتسع فيها بعد ما هو كوني وعالمي، ويحضر فيها طبيعة التحولات التي أحدثتها وتحدثها ثورة الاتصال والمعلومات والإنترنيت، وزمن الذكاء الاصطناعي، وهي كلها عوامل ستسهم بشكل كبير في إعادة التفكير في أصولنا الدينية الكبرى، (القرآن والشريعة بالذات).
والحق أن المسلم المعاصر لن يكون قادرًا على العيش في انسجام مع عصره، فاعلًا فيه ومساهمًا في تشكيله وتحديد صورته، "ما لم يُعِد النظر في طبيعة علاقته، لا مع السلف فقط، بل - وهو الأهم - مع مصادر الإسلام الكبرى، وعلى رأسها القرآن. لا بد إذن، من إعادة النظر في علاقة الخضوع غير المسؤولة من جانب المسلمين لأنظمة الفكر والمعرفة المتوارثة عن أسلافهم؛ ومنها المنظومة الفقهية بالطبع؛ ليس فقط لأن هذه المنظومة تعكس نوع وطبيعة علاقات القوة السائدة اجتماعيًّا وتاريخيًّا على النحو الذي راح يضعها في تناقض مع الروح القرآني في بعض الأحيان؛ وذلك بحسب ما لاحظ البعض من المفسرين القدماء (كابن كثير)، بل ولأن تلك المنظومة - وهو الأهم - تنبني على نمط من العلاقة مع القرآن يحتاج إلى مراجعة بسبب ما تنتهي إليه تلك العلاقة من إفقار القرآن والوعي معًا."[4]
[1] علي مبروك، القرآن والشريعة صراعات المعنى وارتحالات الدلالة، (ظهرت أول طبعة لهذا الكتاب سنة 2015م) مؤسسة هنداوي 2024م، ص. 92
[2] نفسه، ص. 7
[3] نفسه، ص.8
[4] نفسه، ص.10