التنشئة الاجتماعية والحد من ثقافة الكراهية
فئة : مقالات
التنشئة الاجتماعية والحد من ثقافة الكراهية
يمثل الأطفال شريحة مهمة في المجتمع، وهم المعول عليهم في أن يكونوا رجال الغد عبر العالم. ليس هناك حاجة للتأكيد على دور التنشئة الاجتماعية في بسط الوعي لدى الطفل بأهمية التواصل الحضاري بين الشعوب والثقافات. فمن خلال التنشئة الاجتماعية، يتعلم ويتربى الفرد منذ الصغر على مختلف أنماط السلوك، كما يتم تمرير مختلف التصورات والمواقف تجاه الذات والآخر، وقد تتشكل لديه اللبنات الأولى في نظره وتصوره للعالم.
من هنا تأتي أهمية موضوع التنشئة الاجتماعية في بسط وتعزيز الوعي الحضاري الإسلامي لدى الأطفال؛ وذلك بزرع وتعزيز قيم الإسلام السمحة، ومن أهمها قيم الحوار والتواصل والاعتراف بالآخر، فضلاً عن الإعلاء من قيمة السلام والرحمة لديهم بما يتناسب مع أعمارهم.
ولا شك أن بعض المعضلات التي تعانيها الكثير من المجتمعات، مثل التشدد ونشر ثقافة الكراهية برفض الاعتراف بالآخر، كلها مشاكل يكمن حلها في دائرة الاهتمام بالتنشئة الاجتماعية؛ وذلك بالعناية بمختلف النظريات والمقاربات التي تعنى بتربية الطفل وتنشئته على المستوى الذهني والنفسي والتصوري، بشكل يتوافق مع مقتضيات اللحظة الحضارية الراهنة، وهي لحظة تتصف بالعولمة أو العالمية. بالنظر لمختلف القيم التي انخرطت فيها مختلف الدول عبر العالم، وهي مسألة لا تعني الذوبان في كل ما هو كوني وعالمي على حساب ما هو محلي وهوياتي، بقدر ما هي مسألة تقتضي تطويع وفهم ما هو محلي بقالب عالمي، وفي هذه النقطة بالذات يكمن التحدي.
فإلى أيّ حد يمكن للمجتمعات الإسلامية تقديم نماذج معرفية تربوية في التعريف بالثقافة العربية الإسلامية للأطفال عبر العالم، بشكل يتوافق مع أعمارهم من جهة، ومن جهة أخرى بشكل يستثمر مختلف وسائل تكنولوجيا الإنترنت والإعلام؟ فالمسألة اليوم ليست محلية بقدر ما هي ذات بعد عالمي. مثلاً، ليس من المعقول تقديم السيرة النبوية وقصص الأنبياء للأطفال بنزعة تُحضر فيها التركيز على مختلف المرويات والفهم الذي قال به الأقدمون، وفق مخيلاتهم التي اقتضتها تصوراتهم الثقافية الخاصة بهم. فلازالت الكثير من الكراسات المدرسية والرسوم المحركة في العالم العربي والإسلامي تصور نبي الله إبراهيم بأنه أقبل على ذبح ابنه، وقد فدى الله ذبح الابن بإنزال كبش من السماء، وقد أشار ابن كثير إلى أنه "كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا". المشكلة هنا لا تتوقف عند الجانب التخيلي في التعاطي مع قصص الأنبياء، وربما أنها تنسجم في كثير من جوانبها مع فسح المجال لمخيلة الأطفال لتذهب بعيداً في الخيال، لكن عين المشكلة أن مختلف تلك الروايات والأثر تدرس للأطفال بكونها هي عين الحقيقة، وأنها وقعت بالشكل الذي تمت روايته، أو أنها ستقع في المستقبل، من قبيل تلك الآثار التي تتحدث عن ظهور المسيح الدجال وظهور المهدي المنتظر آخر الزمان. والغريب هو أن مختلف هذه الآثار تلقن للأطفال على أنها عين الحقيقة، وأنها جزء لا يتجزأ من الدين الإسلامي، وبناء على مختلف الروايات والأثر يتم تصور المختلفين في الدين من بأنهم مخلدون في النار وعذابها، بينما تكون الجنة من نصيب من هو مسلم. وهذه مسألة تساهم بشكل مبكر في زرع بذرة من الإعراض عن الاعتراف بالآخر، وبالنظر لمختلف الاعتقادات نظرة يغلب عليها التحقير، بدل التقدير، وقد يكون هذا منزلق نحو تشكل بذرة الكراهية الدينية بشكل مبكر، تعرض عن قيمة التعارف والرحمة التي أسس عليها الإسلام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ (الحجرات)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء)، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾ (البقرة).
تشكل الآيات السالفة الذكر قاعدة ومداخل معرفية في فهم الإسلام، فمختلف الآثار والروايات والفهم الذي تشكل طيلة التاريخ الإسلامي، ويتعارض مع هذا المدخل المعرفي الذي يعلي من قيمة الرحمة والحوار والتعارف والحرية في الاعتقاد، ينبغي تجاوزه في قراءة الإسلام وفق رؤى معاصرة، تغلِّب ما هو حضاري وإنساني على ما هو ظرفي وتاريخي. وإن كان هذا الأمر مطلب يصدق على عالم الكبار، بالنظر لمختلف المؤلفات والمشاريع الفكرية التي أخذت على عاتقها تجديد فهم الإسلام، فهو ينطبق بدرجة أولى على عالم الأطفال، وإلا أن عملية التغيير ستبقى معطلة وتدور في حلقة مفرغة. وربما أن مهمة البحث والنظر في كيفية تقديم الإسلام للأطفال بقالب تحضر فيه قيمة الرحمة والحوار والاعتراف وحرية الاعتقاد... مسألة صعبة، تتطلب جهداً مزدوجاً يجمع بين العناية بمختلف المناهج ونظريات التربية في عالم الأطفال، وبين تبسيط مختلف الأفكار والتصورات في فهم الإسلام بقالب معاصر يراعي أعمار الأطفال.
فالحد من ثقافة الكراهية في مختلف المجتمعات يرتبط بالتنشئة الاجتماعية؛ وذلك بتربية الأطفال على قيم الاعتراف والتعارف والمواطنة ومختلف القيم التي تعلي من قيمة الإنسان في الوجود، وتنظر إلى مختلف الثقافات بعين الاعتراف والتعارف، بدل النفي والدونية.
ونحن نرى أطفال العالم الإسلامي يقبلون على مختلف الرسوم المتحركة وغيرها بمختلف اللغات، وهي تعرض لهم صورة عن ثقافة الغرب أو الصين... بشكل كوني، وهي مسألة تدعونا لتجديد النظر في مختلف البرامج التي تعنى بالطفل في العالم الإسلامي، في التعرف على ثقافته وحضارته الإسلامية وفي التعرف على ثقافة الآخر. وهذه مهمة تنهض بها مختلف الحكومات والمنظمات والهيئات التي تهتم بشؤون الطفل عبر العالم الإسلامي. صحيح هناك كم هائل من البرامج والموسوعات التي تعنى بالطفل في مختلف البلدان الإسلامية، لكن المرحلة التي نحن فيها والعالم مقبل على تحولات كبيرة من قبيل الذكاء الاصطناعي، تجعل من موضوع التنشئة الاجتماعية مسألة في غاية الأهمية في مجال النهضة في العالم العربي.
بهدف تجفيف منابع الكراهية، فالعالم الإسلامي في حاجة إلى برامج وتصورات تعنى بالتنشئة الاجتماعية؛ وذلك بالعمل على إنتاج برامج لتقديم السيرة النبوية بمنهج حضاري، يجمع بين موسوعات قصصية وموسوعات أفلام رسوم متحركة وغيرها من وسائل التربية والتعليم، بشكل يتوافق مع مختلف أعمال الأطفال من خلال التركيز على جانب قيمة الرحمة في السيرة النبوية قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء/107) بمختلف اللغات، والعمل على إنتاج موسوعات للطفل تقربه من أبرز أعلام الحضارة الإسلامية، ومن النقط المضيئة في التاريخ الإسلامي حتى يتمكن الأطفال من أن يحصل لهم الوعي الحضاري بالذات والآخر، فضلاً عن البرامج التي تعرف بمراكز الثقافة الإسلامية قديماً وحديثاً؛ وذلك بالجمع ما بين المعلومة في بعدها التاريخي وبعدها الجغرافي. والعناية بالتعريف بالخط العربي تعليماً وتعلماً... صحيح أن المكتبة العربية تضم زخماً فيما يخص التنشئة الاجتماعية، لكنها تفتقد لمستوى عالٍ من النقد.
التنشئة الاجتماعية ينبغي أن تركز على قيم المواطنة، في تمكين الأطفال من الوعي المبكر بتدبير ثنائية الحق والواجب، والوعي بقيم الحرية والتضامن والتعاون والمشاركة والاستقلالية والمسؤولية والتسامح… وتنمية قدرات الأطفال من خلال الممارسة التربوية على الانتماء للوطن.
ولا نغفل في هذا السياق الواعد زرع فكرة الإصلاح الديني والتربية على ثقافة الانفتاح ومختلف العلوم والمعارف، والعناية بتجديد الصلة لدى النشء مع القرآن الكريم، بكونه نصا مفتوحا على العالم والإنسان والتاريخ؛ فالقرآن الكريم ينبغي أن ينظر إليه الأطفال على أنه نص يحفز على النظر والتفكير والتفكر، في علاقة الإنسان بالطبيعة وبمختلف الكائنات في الوجود. فمنذ الصغر ينبغي للأطفال أن يدخلوا في علاقة حوارية مع آيات القرآن الكريم قراءة وتأويلاً وتمعناً وفق مستوياتهم العمرية، بدل أن يقدم لهم القرآن بكونه آيات وسور مغلقة، يخاف الفرد من أن يقترب من فهمها وتأويلها، فكسر حاجز الخوف من خوض تجربة التأويل والفهم المتجدد ينبغي أن يبدأ منذ الصغر، وفق برامج ومناهج تعليمية مدروسة. مع الأسف ليس هناك اهتمام بشكل بيّن وواضح بمسألة التنشئة الاجتماعية والتربية على ثقافة التنوير في مجال الثقافة الدينية عند الأطفال، ومع الأسف، نجد هذا المجال في كثير من المجتمعات، تنشط فيه مختلف الاتجاهات الأيديولوجية المحسوبة على الإسلام السياسي وغيره من الاتجاهات الأكثر محافظة، ومن هذه الزاوية تزرع الكثير من التصورات التي تدور في دائرة ما هو طائفي ومذهبي باسم الدين.