من العقيدة إلى التجربة، قراءة في أنسنة الدين عند عبد الجبار الرفاعي
فئة : مقالات
من العقيدة إلى التجربة،
قراءة في أنسنة الدين عند عبد الجبار الرفاعي
يقدّم عبد الجبار الرفاعي في مشروعه الفلسفي تصورًا للدين لا يقتصر على العقائد والطقوس، بل يتجاوزه ليصبح تجربة وجودية تمنح الحياة معنًى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. فالدين، في رؤيته، ليس مجرد منظومة مغلقة أو مجموعة من الأحكام الفقهية، بل هو “حياة في أفق المعنى تفرضها الحاجة الوجودية لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياة الإنسان الفردية والمجتمعية” كما يوضح في كتابه “الدين والظمأ الأنطولوجي”.
هذه الرؤية تجعل الدين حالة حية يعيشها الإنسان بكامل كيانه، بما يشمل العقل والوجدان والروح، حيث يكون وسيلة تمنحه الطمأنينة، وتساعده على تجاوز القلق الوجودي الذي لازم الفلاسفة من كيركغارد إلى كامو. فالرفاعي يرى أن الإنسان كائن متعطش للمعنى، وغير قادر على تحمل العبث والفراغ الروحي، مما يجعل الدين ضرورة وجودية لا ترفًا فكريًا.
في سياق إعادة تعريفه للدين، يرفض الرفاعي الرؤية الاختزالية التي تحصر الدين في منظومة اعتقادية أو نصوص جامدة، ويفتحه على أفق أوسع، حيث تصبح التجربة الروحية جوهر الدين. يقول في “مقدمة في علم الكلام الجديد”:
“الدين ليس خطابًا جامدًا أو نصوصًا معزولة عن سياقاتها، بل هو حياة تُعاش في أفق المعنى؛ إذ يشكّل وعي الإنسان بذاته، ويوجّهه نحو التسامي الروحي والتكامل الأخلاقي”.
من هذا المنطلق، يصبح الدين، وفقًا للرفاعي، تجربة تمنح الإنسان السكينة وسط صخب الحياة، وتساعده على مواجهة الاغتراب الوجودي، وهو ما جعله يشدد على أن الدين لا ينبغي أن يكون مجرد إطار نظري، بل حالة شعورية وجدانية تتجلى في حياة الفرد اليومية.
إذا كان الدين، عند الرفاعي، يمنح الإنسان أفقًا روحيًا، فإن هذا الأفق لا يبقى مجرد إحساس داخلي، بل ينعكس في السلوك الأخلاقي. الأخلاق، في رؤيته، ليست مجرد التزام اجتماعي أو قانوني، بل هي امتداد طبيعي للحالة الروحية التي يعيشها الإنسان. في “الدين والظمأ الأنطولوجي”، يؤكد:
“الأخلاق الحقيقية لا تنبع من الخوف من العقاب، ولا من الرغبة في المكافأة، بل من إحساس داخلي بالمسؤولية تجاه الذات والآخر”.
هذه الرؤية تتجاوز التصورات التقليدية التي تفصل بين الإيمان والممارسة، حيث يرى الرفاعي أن الفضيلة ليست طاعة ميكانيكية لأوامر خارجية، بل ثمرة لنضج روحي يجعل الإنسان ينحاز إلى الخير بإرادته.
في فلسفة الرفاعي، الدين ليس فقط تجربة عقلية أو سلوكية، بل هو أيضًا تجربة جمالية، حيث يُدرك الإنسان المعنى الروحي والأخلاقي من خلال الجمال. يقول في “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”:
“الدين في جوهره تجربة جمالية، تُثير الدهشة وتحرّك أعماق الإنسان، وتفتح له أفقًا من التأمل في الجلال والجمال الكامن في الكون”.
الجمال هنا لا يقتصر على الفن أو الطبيعة، بل يمتد إلى القيم الإنسانية والعلاقات الاجتماعية، مما يجعل الإيمان أكثر حيوية وتأثيرًا. وهذا التفاعل بين الروحانية والجمال يعزز الأخلاق، حيث تصبح الفضيلة ممارسة تنبع من وعي جمالي بالحياة، وليس مجرد التزام جاف بالواجب.
ينطلق مشروع الرفاعي من رفض القراءات الاختزالية للدين التي تقتصر على البُعد الفقهي أو الأيديولوجي، داعيًا إلى إعادة تأصيل الدراسات الإسلامية بما يجعلها أكثر ارتباطًا بتجربة الإنسان المعاصر. في كتابه “أنسنة الدين”، يطرح الرفاعي رؤيةً متكاملةً تُؤَكِّدُ على ضرورة دمج الأبعاد الأخلاقية والروحية في فهم النصوص الدينية، مع الحفاظ على جوهرها الثابت. يدعو إلى حوارٍ خلَّاق بين التراث الإسلامي ومتطلبات العصر الحديث، ساعيًا لبناء نموذجٍ إسلاميٍّ يتفاعل بإيجابية مع قضايا الإنسان الراهنة كالحرية والعدالة والتنوع الثقافي. كما يقدّم الكتاب آلياتٍ عمليةً لتعزيز قيم التسامح والتعايش، مُشَدِّدًا على أن التجديد الديني يجب أن ينبثق من فهمٍ عميقٍ للواقع المتغير، دون تفريطٍ في الثوابت الشرعية أو إغفالِ حاجات الروح الإنسانية. تُجَسِّدُ هذه الرؤية محاولةً جادّةً لربطِ الإسلام بتحديات العصر، مع التأكيد أن الدين يجب أن يكونَ عاملَ إغناءٍ للحياة الإنسانية، لا حاجزًا أمام تطورها. يوضح رؤيته قائلًا:
“إن الإسلاميات الكلاسيكية، في كثير من الأحيان، انشغلت بالجدل العقائدي والتفريع الفقهي على حساب المعنى العميق للدين، مما أدى إلى تجريد الدين من أبعاده الروحية والإنسانية”.
من هنا، تأتي دعوته إلى “أنسنة الإسلاميات”؛ أي تحرير الدراسات الإسلامية من الجمود والانغلاق، وإعادة ربطها بأسئلة الإنسان وهمومه الروحية والأخلاقية والجمالية.
يرى الرفاعي أن الدين يمكنه مواكبة الحداثة إذا تم التركيز على جوهره الروحي والأخلاقي والجمالي، بدلًا من الانشغال بالقضايا الشكلية والفقهية وحدها. يقول في “مقدمة في علم الكلام الجديد”:
“لكي يكون الدين فاعلًا في عصر الحداثة، يجب أن يستعيد روحه الحيّة، بدلًا من أن يتحوّل إلى مؤسسات سلطوية تحاول فرض وصايتها على العقل”.
بهذا المعنى، لا يرى الرفاعي أن الحداثة تفرض القطيعة مع الدين، بل يدعو إلى قراءة جديدة للدين تجعله أكثر انسجامًا مع تحولات العصر، دون أن يفقد جوهره الروحي.
وفقًا لهذه الرؤية، يصبح الدين نسيجًا حيًّا من التفاعل بين ثلاثة أبعاد مترابطة:
• البعد الروحي: يمنح الإنسان إحساسًا بالمعنى والطمأنينة.
• البعد الأخلاقي: يجعل الأخلاق نابعة من تجربة داخلية، لا من إملاءات خارجية.
• البعد الجمالي: يحوّل الدين إلى تجربة حية، مليئة بالإحساس والدهشة، بدلًا من أن يكون منظومة جافة من الأحكام.
وبالنتيجة نجد أن الرفاعي قدم تصوّرًا متكاملًا للدين، لا يختزله في التشريع أو العقيدة، بل يجعله تجربة إنسانية شاملة، تستجيب لحاجة الإنسان إلى المعنى، وتساهم في بناء عالم أكثر رحمة وإنسانية.
يمكننا استحضار رؤية الفيلسوف اللاهوتي بول تيليش في هذا السياق؛ إذ يرى أن الدين ليس مجرد منظومة من المعتقدات الجامدة، بل هو تعبير عن “الاهتمام المطلق” للإنسان؛ أي بحثه الدائم عن المعنى العميق لوجوده. يقول تيليش في كتابه “ديناميكية الإيمان”:
“الإيمان ليس مجرد تصديق عقلي، بل هو حالة من الانخراط الكامل في تجربة المعنى، حيث يجد الإنسان طمأنينته وغاية وجوده.”
هذا التصور الكامل، الذي قدّمه عبد الجبار الرفاعي على مدى أكثر من أربعة عقود، يحثّنا على مواصلة التنقيب خلف فيلسوف المعرفة الدينية، الذي يرى الدين تجربة وجودية ممتدة لا تقتصر على الطقوس والتشريعات، بل تعكس توق الإنسان العميق إلى الروحانية، والأخلاق، والجمال كعناصر متكاملة في حياته.