Next Page  208 / 362 Previous Page
Information
Show Menu
Next Page 208 / 362 Previous Page
Page Background

208

2016 )9(

العدد

تعتبر أنّ الثقافات ترجع كلها إلى أصل واحد وتعجز عن تحديد

هذا الأصل، سوى في حالة ما إذا لجأت إلى التفسير الميتافيزيقي

لأسطورة بابل قبل بلبلة الألسنة وتشظي الهويات؛ وأنّ الثقافات

تؤول إلى سقف تاريخي واحد، سليل فلسفات التاريخ الغائية مع

كانط وهيغل، والتي حدّدها فرانسيس فوكوياما في الديمقراطية

الليبرالية بوصفها ناية التاريخ أو منتهى ما يصل إليه نظام سياسي

. رؤية انفصالية تعتبر أنّ أصل الثقافات كلها

2

؛

42

بشري متكامل

هو الصراع الراديكالي من أجل موضوع غير محدّد المعالم: يمكنه

أن يكون الهيمنة أو النفوذ، إرادة إذعان الآخر، الكفاح من أجل

الاعتراف، البحث المستميت عن عدو،... إلخ. انخرطصامويل

.

43

هنتنغتن مثلاً في هذه الطريقة الانفصالية

أعتقد أنّ التشاكُل من شأنه أن يتجاوز الرؤيتين، لأنّ العلاقة

بين الثقافات ليست دائماً واعية يمكن تحديدها في نموذج واحد

تخضع له هذه الثقافات (فوكوياما)، أوصراع يدبّرها (هنتنغتن)؛

لكنها علاقة غير واعية تجعل الثقافات «تنحمل نحو بعضها

بعضاً بدافعٍ لا يمكن دائماً إرجاعه إلى غاية مسطّرة سلفاً أو

صراع منظّم للسلوكيات. فهي تنحمل، معناه أنّا تحتمل شيئاً

هو موجود في كل ثقافة على سبيل التشاكل (مثلاً: الإرادة في

التعرّف على الآخر، الإرادة في بلوغ السعادة،... إلخ)، وتتحمّل

الثقافة الأخرى، سلباً أو إيجاباً. لا يعني هذا أنّ الصراع لا ينظّم

مساحة واسعة من العلاقات البشرية، حتى إن لم يضف هنتنغتن

شيئاً، لأنّ أركيولوجيا هذا الصراع أشار إليها هيرقليطس في

مقولة تأسيسية: «الصراع أبو الأشياء جميعاً»؛ وأعطاها غاستون

) الصيغة العلمية فيما س ّه «علم الصراع»

1896-1980

بوثول (

. لم يضف هنتنغتن شيئاً سوى أنّه أعطى

44

)

polémologie

(

للصراع بين الثقافات بطانة دينية، مرجعاً محرّك الصراع إلى جذور

42. Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man,

Free Press, 1992 ; La fin de l’histoire et le dernier homme, Paris,

Flammarion, coll. « Champs », 2009.

43. Samuel Huntington, The Clash of Civilisations and the

Remaking of World Order, New York, Simon & Schuster, 1996 ; Le

choc des civilisations, Paris, Odile Jacob, 2000.

44. Gaston Bouthoul, Essais de polémologie, Paris, Denoël

Gonthier, 1976.

دينية. لعل تفاقُم الإرهاب اليوم يعطيه نصيباً من الحق. لكن، لم

يفسّ دائماً كيف يندلع الصراع داخل الثقافة الواحدة في شكل

حرب دينية أو أهلية (بروتستانت/كاثوليك في المسيحية، شيعة/

سُنّة في الإسلام،... إلخ)، وليس فقط بين الثقافات المتفاوتة في

الهويّات.

كذلك، أعزو الصراع بالأحرى إلى تمثّل تقتحمه عناصر

مشاغبة من الصور الضبابية. هناك قرصنة صور غير قابلة

للانضباط، تهجم على الوعي لتصوّر الآخر في أشكال مشوّهة لا

تقول هذا الآخر فيما هو عليه من خصائص ذاتية. مثلاً التصوّر

الذييحمله الغربعن المسلمين، والتصوّر الذييحمله المسلمون

) ليحل

présentation

عن الغرب، بحيث ينتفي حضور الآخر (

) متركب من

représentation

محله استحضار الآخر في تمثّل (

أحكام مسبقة ورؤى مغلوطة. يمكن اعتبار هذه القرصنة التمثّلية

) لا تُصوّر الآخر

simulacre

كأشكال في الإيهام أو السيمولاكر (

كما هو في ذاته وتبعاً لسماته وخصائصه، لكن تُصوِر الآخر كما هو

في مخيّلة كل ثقافة، تُقزّم من خصاله، وتُعظِم من مخاطره، وتُشنّع

من أفعاله، وتُشكّكفي نواياه. لسنا، في الصراع، أمام نظام الواقع،

لكن أمام نظام المتخيّل؛ ومن شأن التخيّل المفرط أن يختلق صوراً

أو وضعيات غير موجودة في الواقع، فينسب إلى ثقافات أشكالاً

من السلوك أو الكينونة لا تعّ عنها بالضرورة. يبدو أنّ نظرية

هنتنغتن حول الصراع الحضاري هي حبيسة هذا الإيهام المتفشي

في كل ثقافة حول الثقافات الأخرى. إذا كان هنتنغتن يعزو

الصراع إلى جذور دينية، فلأنّ التصوّر الديني كما يتمّ تأويله أو

تقويله يحمل بذوراً في الشقاق وعلامات في النزاع، لأنّه ينخرط

أساساً في نظام المتخيّل (مثلاً، تمثّل الآخر في العصور الوسطى).

أطرح «الانحمال» كمصطلح تشاكلي والمراد به الطريقة التي

تحتمل فيها كل ثقافة جانباً من ثقافة أخرى، وتتحمّل كل ثقافة

شكلاً من الثقافة الأخرى. هناك نوع من الاندفاع بينها، إغراء

وإثراء، أي انحمال. انحمال في الذات بأن تحمل كل ثقافة جانباً من

) في ذاتها (مثلاً: الارتحال الألسني عبر الهجرة

altérité

الغيرية (

،)

45

عندما تنخرط كلمات من اللغة الوافدة في معجم اللغة الرافدة

fissa ،)

(طبيب

toubib ،)

(كلب

clébard

  ـ في المعجم الفرنسي، كلمات

45

(بسرعة)،... إلخ، دخلت في التقاليد والاستعمالات، وهي كلمات عربية انخرطت

محمد شوقي الزين

مقالات