Next Page  260 / 362 Previous Page
Information
Show Menu
Next Page 260 / 362 Previous Page
Page Background

260

2016 )9(

العدد

لطيفة الرخاء شهم

أدب وفنون / قصة قصيرة

بعد غياب دام سنين طوال، عدتفي زيارة ربيعية إلى مدينتي، إلى مسقط رأسي، إلى تربة أجدادي ومقرّ أهلي.

تاقت نفسي إلى مرتع طفولتي ومحضن ذكرياتي، إلى مدينتي الحالمة، التي أطلق عليها اسم «البهجة»، لما تبعث في نفوس أهلها وزائريها

على السواء منسرور واطمئنان.

حنيني إلى هوائها المنعش، وجوها الفريد، جعلني أتخطى العقبات، وأقطع المسافات، كي ألتحق بجنّة الله في أرضه.

بهذه الروح وصلت إلى مدينتي، وكّ شوق لكلّ ما ذكرت، لكنني فوجئت بمدينة غير التي كانتفي مخيلتي:

ازدحام في الطرقات، احتقان في الشوارع من كثرة السيارات، وقلق سائقيها، ضجيج يذكرك بأنكفي مدينة كبيرة بإيجابياتها وسلبياتها،

فبعد أن تصدرتهذه المدينة كبريات المدن السياحية أصبحلها رصيدها من السلبيات التي ليستفي الحقيقة إلا الوجه الآخر لهذا الإشعاع.

هل تغيرت إلى الأفضل؟ لست أدري، غير أّ مقتنعة بحتمية هذا التغيير كي تستطيع أن تواكب العصر الذي نعيش فيه، والذي أهّلها

لتكون رافعة للسياحة في بلدنا.

أغمضت عيني، وأخذت نفساً عميقاً، عطراً بأريج أزهار «الزنبوع» البرتقال المر، ذكرني بأنّ الفصل ربيع، وعاد بي إلى ما في خلدي من

ذكريات، رجعتبي إلى عبق الماضيونشوة الأيام الخوالي.

بعد أيام قليلة تأقلمت مع الوضع، ووجدت أنّ المدينة الحديثة ازدادت رونقاً وبهاء بفنادقها الراقية وحدائقها الغناء ومنتجعاتها

السياحية، بما روعي فيها من وسائل الراحة والاستجمام، التي تنقل الإنسان من عالم الصخب والضجيج إلى عالم المتعة والأحلام.

وقرّرت أن أزور المدينة العتيقة، كي أكتشف ما حدث فيها من تغيير. حبّ الاستطلاع بعث فيّ قوة هائلة دفعتني إلى القيام بهذه

الزيارة التفقدية مشياً على الأقدام، حتى أتمكن من المقارنة بين ما أرى وبين المختزل في ذاكرتي. صرت أتفحص الوجوه وأتساءل: «هل ما

زال البهجوي هو ذاك الشخص المتوقد البديهة، الحاضر النكتة، أم أنّ أزمات العصرقد أفقدته خصوصيته؟

الدكاكين هي هي، لم يطرأ عليها تغيير كبير. كنت أتنقل من دكان إلى آخر وأتحدث مع صاحبه الذي كثيراً ما يقابلني ببشاشة وأريحية،

وكأنّ لنا سابق معرفة، ثم أخرج دون أن أشتري شيئاً، فيشيعني بنكتة طريفة أو دعوة كريمة.

خلال هذا التجوال، دخلت متجراً كبيراً من تلك المتاجر التي تُدعى مجازاً «بزار» لما تحتوي عليه من مختلف البضائع، وصرت أتفرج

على محتوياته. كانتصاحبة المتجر امرأة في مرحلة الكهولة، أقرب إلى الشيخوخة منها إلى الشباب، لكنّها في أبهى حلل النضارة والجمال،

ما أثار انتباهي، وجعلني أدقق النظر في وجهها حتى أتبين السر فيما هي عليه من بهاء، وكلما رفعت بصري إليها، أجد أ ّا هي أيضاً تحدق

في اتجاهي، تسترق النظر في وجهي بنظرات ملحّة، كمن يبحث عنشيء فقده.

شيء ما شدّني إلى هذا الوجه، فجعلني كلما أطلت النظر إليه ازددت يقيناً من أنّه ليسغريباً عني، غير أنّني لم أستطع أن أجد له مرجعية

في مختزلاتي. لم أستطع أن أتذكر صاحبة هذا الوجه، ولا أن أضع اسماً عليه.

تجاذبنا أطراف الحديث، فقدّمت لي نفسها «فاطمة»، لم ينفعني هذا بشيء، فما أكثر «الفواطم» اللواتي مررن بحياتي، ثم قدّمت لها

نفسي«ربيعة»، حينما سمعت اسمي أطالت النظر في وجهي، وأغلقت عينيها بعض الشيء، ثم بعد برهة قالت:

ـ «لقد وجدت، ألستحفيدة السيدة عائشة؟

فيشعاب المتاهات

امرأة

*

لطيفة الرخاء شهم

قاصة وروائية من المغرب

*