245
2016 )9(
العدد
ولم يفت الكاتب أن يضرب مثالاً لفيلسوف من حلب دفع
حياته ثمناً بعد أن ا ّم بالتقَوِية وأُدينَ بسبب الاعتقاد بنبوة باطنة:
إنه السهروردي الذي يقول عن كتابه الهامّ «حكمة الإشراق»:
«وقد ألقاه النافث القدسي في روعي في يوم عجيب دفعة ...».
إنّ الروح القدس هو الذي أوحى به إلى قلبي، دفعة واحدة، في
...
8
يوم رائع
السبل المتعددة للوصول إلى الحقيقة
في سياق الفقرة السابقة الموسومة بعنوان النبي والفيلسوف،
يبين بنمخلوف كيف أنّ الوصول إلى الحقيقة لا يمكن أن ينحصر
في سبيل واحد، وأنه ليس ثمة بالضرورة تعارضٌ بين مسلك
الإيمان وطريق الفلسفة.
ومن جملة الحجج التي يستند إليها مفهوم «التأويل» بمعناه
الشيعي الذي يعني طريقة لإرجاع الرموز إلى حاملها الأول،
ألا وهو الإمام الذي ينفرد بامتلاك مفتاح تأويلها، يقول «هنري
كوربان» في هذا السياق: «لا ينكِر التأويل بمعناه الشيعي أنّ آخرَ
الوحي ما أوحِي إلى محمد خاتم الأنبياء. إلا أنه يفترض بالمقابل
أنّ باب التأويل ليس مغلقاً، وأنّ التأويل لا يفتأ يُبرز للوجود
.
9
معاني كانتلا تزال دفينة»
في هذا السياق، نجد مّ صدرا الشيرازي، أحد تلامذة
السهروردي، يجمع بين التكوين الفلسفي القائم على الحجاج
والسبيل الروحي المرتهِن بالرؤيا. فهو يزاوج بين ما يسميه
«الحكمة البحثية» وما يعبر عنه باسم «الحكمة الذوقية». ومن ثمّ
فالتأويل هو اندراجٌ في الزمن لإمكانِ وجودِ زمن آخر.
أمّا الغزالي فيطرح مسألة السببية من منطلَق الإيمان. فهو يرى
أنّ «الربط بين ما ننظر إليه في العادة على أنه سببوما اعتدنا النظر
8. Hikmat al-Ishrâq, p. 280, cité par Henry Corbin, En Islam
iranien..,op, cit., p 20. Cité dans Benmakhlouf 2015, p. 52.
9. Henry Corbin, l’imagination créatrice dans le soufisme d’Ibn
Arabi, Flammarion, 1958 (1er éd.) rééd. Entrelacs, 2600, p. 48. Cité
dans Benmakhlouf 2015, p. 55- 56.
. ولقد كان الرجل
10
إليه باعتباره نتيجة، ليس ربطاً ضرورياً»
مفكراً تتطابق كتاباتُه تمامَ التطابق مع ما يذهب إليه الفيلسوف
الأسكتلندي ديفيد «هيوم». لقد بث الغزالي نفساً تجريبياً في
ميتافيزيقا أرسطو العظيمة.
يتضح ههنا أنّ سبيل الإيمان قد قاد الغزالي إلى سلوك مسلَك
الفلسفة. وعلى الرغم من اعتقاده بأنّ الميتافيزيقا لا تخلو من أن
تنال من الشعور الديني، إلا أنه أعرب عن تقديره لأداة المنطق.
. التزام إزاء الحقيقة
2
هل يتعلق الأمر بتاريخ الحقيقة أم بحقيقة مزدوجة؟
كثيراً ما نحكم على العقل في حقيقته دون التساؤل عّ إذا كان
الوصول إلى هذه الحقيقة قد تمّ من قِبل هذا المجتمع أو ذاك. يأخذ
علي بنمخلوف بهذا المبدأ، أي مبدأ عرضانية العقل، ويستند إليه
لضمان الاعتراف بالحقيقة المتناغمة التي تقوم بين مختلف مناحي
الفكر، دينية كانت أم فلسفية، وسواء صدرت عن الإغريق أم
عن العرب.
لقد كان الكندي نموذجاً للمدافعين عن مبدأ نسبية العقل من
خلال إعطائه الغلَبة والرجحانَ للبحثعن الحقيقة تفادياً للوقوع
في الدوغمائية. فلا وجودَ لحقيقة ننتصرُ لها وندافع عنها، بل هناك،
على حد قول الكندي، سيرٌ وسعيٌ نحو الحقيقة يشرّفان من يرومُ
امتلاكها ويرفعان مقامَه. يتعلق الأمر إذن بالبحث دون سواه.
ثم تَراه يكشف لنا النقابَ عن المميزات التي تسِم اكتساب
الحقيقة، إذ يقول: «لم يقْدِر أيّ كان، وهو يسعىفي البحثجاهداً،
أن يبلغ الحقيقة على قدر ما تستلزمُه الحقيقة، علما أنّ الحقيقة ُالٌ
أن يمتلكَها جميع الناس، بل إنّ الواحدَ منا إمّا أنه لم يُصِب منها أيّ
نصيب وإمّا أنّ نصيبَه منها كان نَزراً يسيراً قياساً إلى ما تستلزمه
.
11
الحقيقة»
10. Al-Ghazâlî, Tahâfut al-falâsifa, p 170. Cité dans Benmakhlouf
2015, p.62.
11. Al-Kindî, De la philosophie première, op. cit, p 10. Cité dans
Benmakhlouf 2015, p. 70.
مراجعة كتب
قراءة في كتاب:لماذا ينبغي أن نقرأ الفلاسفة العرب؟




